بائع الكتب في كابول

Posted on أبريل 7, 2012

0


” فالطالبان قد يكونوا رحلوا عن البلاد، إلّا أنّهم لم يرحلوا بعد من ذهن ليلى، كما أنّهم لم يرحلوا بعد من أذهان بيبي غول، وشريفة، وصونيا..” وربّما كلّ نساء أفغانستان. ذلك الزمن المليء بالممنوعات. فيه بوليس دينيٌّ ووزارةٌ للأمر والنهي والمحاكمة. حكم الملالي الذي كان يخنق الشعب لأقصى درجة. حكمٌ يجعلهم غير قادرين حتّى على التقاط أنفاسٍ تمكنّهم من الاستمرار. الويل لك إن قُبض عليك متلبسًا بجريمة من ممنوعات طالبان. الويل للمرأة التي تُرى خارجةً من بيتها دون مرافقة عائلية. كلّ عائلة في حكم طالبان أضحت نموذجًا مصغرًا عمّا يسود البلاد. فالسلطة المطلقة للكبير الذي يحكم بيدٍ من حديد، وكلّ من يأتي خلفه مجرد أتباع.
” كلّ العائلات السعيدة تشبه بعضها بعضًا. وكلّ عائلةٍ تعيسة تكون تعيسة بأسلوبها الخاص.”
” بائع الكتب في كابول” رواية توثيقية لعائلة أفغانية تكتبها صحافية غربية تُدعى آسني سبيرستاد، رافقت عائلة سلطان خان لمدّة ثلاثة أشهر نقلت فيها مجريات حياتهم، ومشاعرهم وعواطفهم المتناقضة.
سلطان الرجل الذي يريد استنهاض أفغانستان، لم يستسلم لمصير البلاد الذي ظلّ يوكل أمره للشيطان، الأفغاني الليبرالي إلى العظم في مكتبته، ينشر أفكار الجميع من دوريات متفلتةٍ إلى أخرى متشددة، عانى الأمرين على يد جميع الأطراف، من الغزو السوفياتي للبلاد، إلى الصراعات الأثينية ومن ثم حكم طالبان، لتأتي بعدها مرحلة الازدهار الفعلي لتجارته في عهد قرضاي.
الرجل الذي واجه أعتى الصعوبات لتأمين الكتب المتنوعة لبلاده، والذي يركب الأخطار من أجل طباعة وتجليد ما في جعبته من أوراق، نراه يتحوّل إلى ديكتتاتورٍ صغير في منزله، يمارس سلطته على عائلته بوصفه الكبير، كلمته واحدة ونهائيةٌ وقاطعة، لا تنفع معها أي تبريراتٍ واستجداءاتٍ عاطفية.
يحكم بيدٍ من حديد، يمسك مصائر أبنائه وزوجاته وأخوته وحتّى أمّه. يتزوج على امرأته من دون مبرر وجيه، فهي لم تعد تلبّي له احتياجاته. هو في الخمسين وزوجته الجديدة فتاةٌ لم تبلغ السادسة عشر. ارتأت عائلتها هذا الزواج الذي سيعود بالنفع عليهم ويؤمن ابنتهم من العوز الرهيب. مهرٌ يقبضونه باليد ثمنًا للفتاة التي لا تملك حتّى رفع عينيها لترى زوج المستقبل.
تنتقل الرواية من فردٍ إلى فرد. نعيش مع أحلامهم البسيطة التي لا تتجاوز نفض غبار المرحلة السابقة والانطلاق من جديد. كلّهم دون استثناءٍ يحلمون بأفغانستان حرّة. كلّهم أرخى الماضي عليهم عبأًا ثقيل. الماضي الذي لا يرحم. ماضي مليء بالاضطهاد والعنف الغريب. بلادٌ قاسية فرضت على أهلها حياةً ربما هي أقسى من الموت.
من النساء المعذبات الصامتات المختبأت خلف الباروكة. من الفتيات اللواتي يضربن حتّى الموت نتيجةً لنظرةٍ خارجةٍ عن المألوف. ربّما لرسالة عشقٍ وصلت إليهن عن طريق الخطأ. نساءٌ مضطهداتٌ يُحدّد سلفًا مصيرهن الذي لا يتجاوز خدمة عالم الرجال. ذلك العالم الذي يخلقن لأجله. لا يحقّ لهن أن يرفضن ما يصدر عنه، لا يحقّ لهن أن يحاججن، وأن يقفن بالمرصاد في وجه قرارتٍ تصدر عن أبٍ أو أخٍ أو زوج. الكلّ يتحكم، الكل يصدر الأوامر، مادام يملك صوتًا خشنً يهزّ أركان البيت. هذه المعاناة التي لا يتحدث عنها أحد، لكنها تحفر في ذاكرة الشعب عبر الأغاني وأبيات الشعر المتوارثة، ولا تتعدّى تلك الحدود أبدًا.
في الكتاب ننتقل بين الشخصيات، نرى الظالم والمظلوم. نرى القاسي الذي بيده زمام الأمور، والرحيم الذي لا يملك أدنى قدرةٍ على التغيير. نرى الاستسلام غير الطبيعي للبطش، نرى سلطة الكبير وقدرته على كسر شوكة الجميع.
في الكتاب نرى مدينة الغبار، نرى كابول بمناخها القاسي وبغبارها الذي يملأ النفوس ويلتصق بالأجساد. نرى رغبة الجميع بالخروج من معاناتهم، نرى المحاولات الطفيفة التي بدأت لتحريك العجلة بالبلاد. فتح المدارس، ودورات التعليم، والتململ الذي اجتاح عالم النساء. نرى بلادً لا تنفك تحاول الخروج من نفقٍ مظلم دخلته منذ أجيالٍ مضت. من انقلابٍ إلى انقلابٍ إلى احتلالٍ إلى انقلابٍ ثم احتلال. بلادٌ ترغب في نفض الغبار عنها، ورسم مستقبلها بعيدًا عن ذكريات الماضي الثقيلة.
” بائع الكتب في كابول” سيرة عائلةٍ من العائلات الأفغانية. ربما ليست نموذجًا لكنّها بالنهاية عائلةٌ كان مجرى حياتها انعاكس لما يجري في البلاد.
” بائع الكتب في كابول” قطعًا رواية تستحق القراءة.
الجدير بالذكر أنّ الكاتبة تمّت مقضاتها من قبل الشخصية الرئيسة في الرواية بحجّة الطابع الفضائحي للكتاب.

Advertisements