ربّما لا نملك غير تطويل اللسان

Posted on أبريل 5, 2012

0


شهدت الآونة الأخيرة اعتقالاتٍ لصحافيين وكاتبين تحت تهمة تطويل اللسان. في فلسطين والأردن سيق عددٌ من الأشخاص بتهمة التطاول على المقام السياسي السائد في البلاد. إذن تهمة تطويل اللسان، الكلام الكثير في أيّ موضوعٍ يمس الحكومة والرئيس بطريقةٍ سلبية يعدّ تطويلًا للسان. الكلام عن الفساد والمحسوبيات والسرقة في وضح النهار، وعلى عين الشعب، تعدّ تطويلًا للسان. الكلام عن ضرورة التغيير، ونبذ الخلافات والمشاركة في محاولة إنهاض الدولة يعدّ تطويلًا للسان.
يلومنا البعض بأنّ كلّ ما نفعله هو كثرة الكلام، يحصل شيءٌ على الساحة العربية، فترى الأقلام قد تهيأت واستعدّت للنشر والتفصيل. يتكلم الجميع دون استثناء، الذي يدري، والذي لا يدري، يتناوبون على تشريح القضية، وبعد أن تنتهي زومتها وبريقها الخاص، يتركون الجثّة مفتوحةً ويرحلون إلى قضيةٍ أخرى تنتظرهم، ولا يلبث ما كانوا يشتغلون به أن يتعفن ويأكله الغبار. هكذا ننتقل من مكانٍ إلى مكان دون هوادة، نفتح القضية تلو القضية، نعلّق، نتخاصم، نشعل حربًا كلاميةً محلية، وبعد قليلٍ تتلاشى أيّ ضجة. نعود إلى الهدوء الذي يسبق العاصفة التي كالعادة ستكون قريبة.
كمٌّ هائلٌ من الكلام يذهب مع الريح، نتحدث عن فلسطين وضرورة التحرير، نتحدث عن حسّ المشاركة في البلاد، نتحدّث عن الأزمات، فأولًا الكهرباء المقطوعة وبعدها العمارات الآيلة للهبوط على رؤوس ساكينها، وبعدها أزمة اللحوم الفاسدة التي فتكت بالبلاد، والآن يُفتح موضوع العمالة والعميل وكيف يحاكم الخائن على يد القضاء. كلّها قضايا كبيرة، تمسّ أساس الدولة وأركان الحكم فيها. لكنّنا نتحدّث ونمشي، ننتقل من موضوعٍ إلى آخر بطريقةٍ عجيبة تنسينا ما قبله. تُفتح الملفات بقوّة وتغلق لوحدها رويدًا رويدًا دون إصدار أيّ ضجة. تنطفئ الأمور بعد أن تكون قد هبّت مرّةً واحدة.
تطويل اللسان بلغ عندنا مقاساتٍ عالمية، ربّما يمتد لأمتار قليلةٍ أمامنا. تطويل اللسان دون عملٍ فعلي يبدر عنه عادةٌ متأصّلة. لكنّه يبقى أفضل من الصمت. حتّى لو لم نحرّر فلسطين ونحلّ القضايا الشائكة التي تسيطر على عالمنا يبقى الكلام مفتاحًا أساسيًا للقيامة. يلومنا البعض على كثرة الكلام، على الكتابات التي تملأ صفحات الجرائد، يلوموننا على كثرة اللغط والتسابق على الكتابة التي تستهدف القضايا الدارجة وتسطّح بعضها الآخر. لكن ماذا لو لم نملك غير الكلام، ماذا لو كان هو حلّنا الوحيد في عالمٍ سدّ أذنيه، وأعطانا ظهره، وقرّر أن يعمل على هواه. ماذا قد نفعل أكثر من الكلام، يومًا ما قد يستفيق الشعب من كثرة هذا الطنين، يومًا ما سيستيقظ، قد يعرف عمّاذا نتكلم، سيعرف أنّنا ما تركنا من شيءٍ يعتب علينا وتكلّمنا عن الكثير.

Advertisements