مصر وإن ارتدت العمامة

Posted on أبريل 3, 2012

0


مصر خليت، إختفى جميع من عليها، ذاب أكثر من سبعين مليون تحت وطئة شمس الإسلاميين الحارقة. لم يعد هنالك من أحد. لا مفكرين ولا مثقفين ولا أصحاب رؤى تنويرية. لم تنتهِ الثورة بعد، لم يسقط حكم مبارك وامبراطورياته التوريثية لتطلّ علينا خلافةٌ ثيوقراطية. الإسلاميون يسيطرون على الدولة، ينهشون لحمها ويمتصّون عظامها. ذلك الاضطهاد الطويل تحوّل إلى نهمٍ لن يسكته إلّا استيلاءٌ تام على جميع مرافق الحكم في البلاد. من أصغر عاملٍ إلى هرم الرئاسة. مصر ترتدي حلّة جديدة، تخلع عنها كلّ الوعود والأحلام لشبابٍ نزلوا وحيدين إلى الشوارع، آمنوا بالمستحيل وقد صار بفضلهم ممكن، واليوم لا نراهم ولا نسمع عنهم، أين اختفوا، لماذا لم يعد أحدٌ يريدنا أن نسمع لصرخاتهم المنطلقة من الساحات والميادين، لماذا لا يشير أحدٌ إلى القمع والتعتيم المستمرين منذ انخلاع مبارك، وحلول العسكر، وبزوغ فجر الإسلاميين.
فالآن لا أحد يسمع لهمساتهم التّي تصرّ على تعكير مزاج من احتلّ السلطة. لا أحد يريد أن يصدّق أنّ مصر تعود إلى الوراء. تلك الدولة التي كانت محرك العالم العربي، ومركزًا لأفكار النهضة وملتقى الأدباء والمفكرين. مصر التي وصل ناسها إلى مراتب عليا في بلاد الأغراب، مصر أحمد زويل والبرادعي ومحفوظ وغيرهم من الأعلام الذين نسمع عن إنجازاتهم العلمية والأدبية وقد دقّت أبواب العالمية، هل كلّهم عملاء، هل كلّهم أدواتٌ بأيدي الأميركي والإسرائيلي يحرّكهم كيف يشاء، وأولئك الذين ساوموا على الثورة والشعب يداس تحت حوافر الإبل والجمال، أولئك وحدهم هم الشرفاء. مصر الحضارات والتاريخ، تنأى بنفسها عن كلّ هذا، وتقرر أنّها ستحيا وحدها، بتشدّدٍ وتقطيبة حاجبين وتخريفاتٍ مضحكةٍ لا تمتّ للدين بصلة.
مصر، أرجوك استيقظي، ارمِ ما ارتديتيه لحدّ الآن، لا يخدعك الظاهر، لا يغرنّك الكلام عن التقوى والصلاح. لا تقولي بأنّ من يطيل ذقنه ويسم جبهته بعلامة صلاةٍ لا يمكنه أن يظلم عباد الله. مصر أفيقي من خدر الثورة الذي طال، ما أينعت بعد الثمار، فرعونٌ آخر يستولي على البلاد، موجةٌ تجتاح كلّ المرافق ولن يقف أحدٌ بوجهها إلّا الشعب العتيد، لا خارجٌ يلبس ألف وجهٍ ولا يهمّه غير حماية المصالح، ولا جوار يرى في مصر إذا ما تحولت إلى نموذجٍ خطرٌ داهم.
لا تشمتي بنا من قال أنّ الثورات محض خدعةٍ كبرى، مجرد مخاضٍ، لا يعرف ألمه إلّا من يعيشه، ليأتينا بشرق أوسطٍ جديد. لا تشمتي بنا من لم يؤمن يومًا بإمكانية التغيير، لا تدعينا نترحّم على زمن مبارك، ونتحسّر ونندم على خطيئة التفكير. لا نريد أن نكون شعبًا يُساق، لا نريد أن نظلّ صفرًا لا يُحسب له حساب. مصر، التاريخ قد يعيد نفسه، صديقيني، وأحيانًا إلى درجة الاستنساخ.
أشتّم رائحة حكمٍ طالبانيٍّ جديد، حكمٌ يروّع باسم الدين ويقتل باسم الدين، ولو كان للدين لسانٌ لصاح رافضًا أن يكون حجّةً بأيديهم المتشددة. زمن حرق الكتب تحت حجّةً الهرطقة يدقّ الأبواب، زمن ختم المحال بالشمع الأحمر بحجّة مخالفة عقائد الحاكم يتراءى أمام العيان، زمن هدم الآثار وتغطية المتاحف وطمس الحضارات لأنّها ليست برأيهم سوى أصنام لن يكون ببعيد.
عودة فكرة الصحابة والخلافة والشورى وأولي الأمر الذين يعيثون في الأرض فساد. عودة الاضطهاد والسجن والتعذيب وتطبيق أحكام الشريعة على من يرتأيهم الأمير ويرى فيهم مثالًا ناضجًا للقصاص والترهيب.
أصعب أنواع الاستبداد ذلك الذي تحيطه هالة القداسة. أصعب أنواع التخلّف ذلك الذي يأتي بناءًا على نصٍ مقدّسٍ يجمّد الأفكار في نقطة الماضي ليبني كما يدّعي زمن المستقبل.
لن تستطيع الفكاهة والسخرية من تغيير الوضع الذي يتّجه لصالح الإسلاميين. فبينما نحن نقهقه على صورٍ تملأ العالم الحقيقي والافتراضي، هنالك من يعمل لكسب تأييد المستضعفين والناس البسطاء. أولئك الذين يكفيهم في الحياة أن يذكرهم الرئيس ولو كلّ بضع سنوات. ونحن نقهقه، هنالك من يشتري الخبز والدواء ليضمن أصواتًا لن تكون إلّا فارق الفوز في صناديق الاقتراع.
لا تضحكوا كثيرًا فما يبدو في أذهاننا بعيدًا إلى الآن لن يلبث أن يغدو واقعًا أسودًا لن يرحم، بل سيحكم قبضته على البلاد، ويظلّل العقول، ويوهم كلّ الأفراد بأنّ هذا هو قضاء الإله وقدره، فإمّا الصبر والسلوان وإمّا تهمة الكفر والهرطقة جاهزةٌ للالتصاق.
الإسلاميون ليسوا الإسلام، لن يرمي الله بحبلٍ من السماء ليخنق به من يرفض رميهم ورقةً في صناديق الانتخاب. هم ليسوا الناطقين بكلام الله، وليسوا أبدًا ظلّه على الأرض وقدره المحتوم. هم جماعة رأوا في الدين ما يحقّق مصالحهم، تمامًا كأيّ جماعةٍ لا دينية ترغب بالسيطرة على الحكم بعد أعوامٍ من المنع والاعتقال. ما لاقوه من اضطهادٍ سيكبر في قلوبهم حقدًا ورفضًا لأي آخر بعيدٍ عن سربهم يرغب في المشاركة في حكم البلاد.

Advertisements