جلّادٌ وسكينٌ حاد

Posted on أبريل 3, 2012

0


” كتيبة الاستجواب”، “كتيبة الدفن”، “عندما يكبر الأطفال في فرنسا فإنّهم يتكلمون الفرنسية، نحن السوريون تربينا على لغة العنف، لا نتحدث لغةً غيرها”، ذبح بالسكين، مقابر، جلّاد، كلّها أمورٌ أفصح عنها “حسين” جلّاد باب عمرو في مقالةٍ نشرتها “ديرشبيغيل” الألمانية تتحدّث فيه عن الوجه الآخر للثوّار.
صورةٌ سوداء للثوّرة السورية التي تحوّلت إلى وحشٍ يقتصّ من الشعب كلّه دون استثناء. جلّادٌ يحزّ الرؤوس التي تأتيه حاملةً تهمة الدفاع عن النظام. كما يقتلوننا سنقتلهم هذا منتهى القرار. الوضع لا يحتاج إلى مشاعر وأحاسيس إنسانية كان ردّ الجيش الحر الذي تعهد الثورة وحوّلها إلى عنفٍ واضطهاد.
كأنّنا نشتري الموت، الجلّاد الذي يروي حكايته مع الرؤوس شابٌ لا يتجاوز عمره الأربعة وعشرون عامًا. يتحدث عن القتل وكأنّه مهنة، يروي لنا مشهد الموت الأصفر المحاك بين أضرحة المقابر. أيّ عالمٍ يخلقه هذا الشاب، أيّ عائلةٍ سيبني من يدين مضرجتين بدماءٍ حتّى ولو لم تكن بريئة. ما يجري في سوريا ترويع، مقبرةٌ كبرى مفتوحة على مصرعيها. يختفي فيها المؤيد والمعارض تحت جنح الظلام الواحد. قلعةٌ من القتل المتبادل الذي لا يزيد إلّا من الطغيان. النظام يقتل والمعارضة تقتل وعلى سوريا السلام. لا يتحدّث أحدٌ عمّا يجري، لا يهتزّ جفن أحدٍ ولو تخيل مشهد الذبح، والسكين الحاد الذي يحتزّ الرقبة البشرية، فيندفع الدم الساخن شلّالاتٍ تُغرق الأرض ومن عليها بصراعاتٍ دموية.
ضخّ الأموال والسلاح من قبل الدول الخارجية والأنظمة العربية كان نارًا تحرق البلاد. كلّ نيتهم أن ينتهي النظام، لكن ماذا لو أصرّ النظام على البقاء، من يجمع السلاح المستعمل بعشوائية ضدّ الجماعات، من يحمي من الصورة النمطية التي تجعل من الأقليات عرضةً للتنكيل والقتل، من يمنع الموت من دقّ الأبواب. السلاح الذي تدفق إلى سورية صار لعنةً على أهلها. الثورة التي أردناها سلميةً تتحوّل إلى ماردٍ مخيفٍ أكثر من النظام بحدّ ذاته.
نحارب العنف بالعنف هكذا يبرّر الجلّاد أعماله. لكنه لا يدري أنّ البلاد إذا ما احترقت غدت جهنم تأكل كلّ من فيها. وأنّ القتل لا يجلب إلى القتل، هو لا يدري إنّ الانتقام وحقن النفوس بالحقد لن يُزهر الدولة التي خرج إلى الشارع بشجاعةٍ وجرأةٍ واندفاعةٍ مطالبًا فيها.
مرّةً أخرى تُقتل الثورة على يد أبنائها، مرّةً أخرى يختار الشعب طريق الهلاك، لم يكن التسليح إلّا المسمار الأخير في النعش الذي يحمل البلاد ومن فيها. لغة الموت والانتقام التي يتحدّث فيها البعض ليست بأفضل من لغة النظام. النظام و المعارضة في دركٍ واحدٍ من السفالة، النظام والمعارضة يتحملان كلّ الدماء التي يخفونها عنّا، يسقونها لبطن الأرض فتنبت جثثًا ومقابر جماعية.
الصورة مخيفةٌ في سوريا. غامضةٌ يلفّها الأسود من كلّ مكان. نعيق غرابٍ، وسكينٌ حاد، ووجوهٌ لا تعرف الرحمة متحلقةً في المكان. الصورة مخيفة أشبه بفيلم رعبٍ طويلٍ ضاقت أنفسنا به، يُطبق على أنفاسنا، يخنقنا، ونحن مصرّين على متابعة مشاهدته، لكنّ الفرق أنّ الفيلم ليس من محض الخيال، ومن فيه ليسوا بممثّلين، بل هم أشخاصٌ حقيقيون قرّروا بيع أنفسهم للشيطان.

Advertisements
Posted in: لست أدري