الأرض تنسى

Posted on مارس 30, 2012

0


أخبرونا الحقيقة، لم يعد في العالم من مكانٍ لأكاذيبكم التي لا تنتهي. أخبرونا بما تعرفون، بكل صكوك البيع التي ملأتم بها حساباتكم المصرفية، أخبرونا بالأيادي التي لم تعد تستحي بعد طول اللغط، أخبرونا عن الأموال والليالي الصفراء والحمراء، أخبرونا عن الكذب والخداع وعن صندوق المصالح، وعن الأرض التي قست من شرّ ما قاست على ظهرها.
لأكثر من جيلين ونحن لا نسمع أكثر من الكلام، لأكثر من جيلين والعام لا يحوي إلّا إحياءات لذكريات، تحولت فيها القضية إلى مجرد ساعة ومظهر ومنظر، وكل من يموت هناك على أرضها لم يعد يُقام لهم من وزن. كلّنا تشاركنا في تحويل فلسطين إلى ذكرى، إلى شيءٍ لا يضخّم إلّا في الخيال. صرنا نرى فلسطين الحلم، فلسطين التي تملك في أعناقنا واجبًا لا يتعدّى إضاءة شمعةٍ وحضور حفلة موسيقية، وبعد ذلك حياتنا تتابع بأكثر من اعتيادية.
فلسطين الخيال، أرض أحلامنا، وبيوتات قرميدية، وزهر ليمونٍ، وفلاح يجبل الأرض بعرق جبين. فلسطين الحلم قريبةٌ إلينا أكثر من حبل الوريد. فلسطين الحلم، شعبها متماسك في وجه الأعاصير، يناصر الأخ أخاه ولو على رصاصة تخترق الصدور، فلسطين الحلم أغنيةٌ جميلةٌ تخبرنا بحزم أمتعتنا، وشدّ الرحال للعودة إلى مدنٍ وقرى ما زالت تعبق برائحتها أنوفنا. فلسطين الحلم، إصرارٌ على لهجةٍ محكية ومظهرٍ يجبرك على تذكّر حقٍّ ضائع بأرضٍ تعامت الدنيا عن حقيقة وجودها. فلسطين الحلم، كبوة فلاح، ضمّة أمّ، لعب أطفال. فلسطين الحلم، جنّةٌ من صنع خيالك، ترسم ما تشاء عليها من صورٍ وأحداث. ترسم الباب الذي ينتظر مفتاحًا ضائع. ترسم شجرة التين. ترسم قلبًا، ولدًا نام على عشبٍ آخضر. ترسم حياةً لكنك أبدًا لن ترسم موتًا في المكان.
لكنّنا لو عشنا منذ انطلاقة القضية على أرض الحقيقة لما حلقنا إلى ذلك الأفق البعيد، إلى الخط الملتبس بين الحقيقة والخيال، بين الواقع بما هو عليه، وبين اللاواقع الذي نحياه.
صارت فلسطين نقطة.
نقطةٌ في آخر سطرٍ من حكايا الهذيان. فلسطين الحقيقة وجعٌ مرّ لا يسبّبه فقط احتلال. فلسطين الحقيقة وطنٌ عُرض في المزاد. فلسطين الحقيقة أرضٌ سيقت إلى مقصلة التقسيم. فلسطين الحقيقة مجموعةٌ من الهزائم والخيبات المرّة. فلسطين الحقيقة كذبٌ وخداعٌ وتسطيحٌ لوعي عربي نوّم منذ عقود. فلسطين الحقيقة أرض فسادٍ ومحسوبيات. فلسطين الحقيقة خيبة أملٍ كبيرة لا شفاء منها. فلسطين الحقيقة عداء. خلافٌ على خلاف. شعبٌ وُضع في عالمٍ من البرزخ، لا هو ميتٌ فيرتاح، ولا حيّ فيحظى بأقل ما قد تمنحه الحياة.
أخبرونا الحقيقة، كلّ ما نحييه وأحييناه على مرّ الأعوام مجرد هراء. فالأرض مازالت تسرق، ولن تعود ولو مات كلّ من عليها فداءًا لها. الأرض نسيت نفسها لمن تكون. الأرض غدت هنالك لا تتكلم العربية، غطّت ملامحها بتقسيماتٍ صهيونية. عملتها يهودية، منتوجاتها صنعت في إسرائيل، ناسها يتكلمون العبرية.
الأرض تنسى كما البشر. لن تنتظرنا أكثر ممّا وعدت نفسها به. شاخت وهي تطلّع إلى حدودها، علّ جيشًا يدكّ الخط الفاصل، فيمنحها قليلًا من حرية. ملأت وجهها التجاعيد وأخاديدٌ حفر الزمان علامته عليها بقبضةٍ من نار.
الأرض تنسى، في عالم الحقيقة، الأرض تنسى…

Advertisements