جراثيمٌ وأطفالٌ وعالمٌ قاسي

Posted on مارس 26, 2012

0


أقف في ظلام عالمنا الدامس الذي يصرّ على سوداويته رغم ما نحاول رسمه من أحلام. أقف وكلّي أملٌ أن يسمعني العالم ولو لمرةٍ واحدة. أكاد أشعر بأنّني لا أملك صوتًا كما بقية من يسكنون هذه الأرض. أيها العالم، أرحنا وقل لنا من نحن. لو كنّا حيواناتٍ لدخلنا في نطاق تشريعاتك التي لا تنتهي عن ضرورة الرفق بنا، لو كنّا فئران تجاربٍ أو كلابٍ أو قردة لعمّت التظاهرات أرجاء مدنك، وصوّرت أفلام هوليوود سلسلةٍ طويلةً عن حكاياتنا التراجيدية المؤلمة، وربما احتلت مرتبةً أولى في حجم إيراداتها الضخمة، وربما رُشحت للأوسكار لأنّها تنقل قضايا الكائنات الأكثر سموًا.
من نحن، لو كنّا بشرًا من روحٍ وعقلٍ، لنظرت إلينا عينٌ في هذا العالم نظرةً رحيمة، لما تركوا أرواحنا تصعد للسماء كما لو أنّ منجلًا يحصدها من أراضٍ خصبة. لو كنّا بشرًا ما جعلوا منّا ثمنًا يدفع لقاء مصالح كبيرةٍ لا تخدم سواهم، بالتأكيد كانت حياتنا أغلى عندهم من اقتصادهم وصناعاتهم ونفطهم ومعاملهم النووية. فليريحني أحدكم، وليقل لي من نحن، لسنا أيضًا حيواناتٍ، لسنا قطيعًا من غنمٍ ولا أسودًا ولا نمور، لو كنّا كذلك، لحمونا خوفًا من الانقراض من طائرات القصف والصواريخ الذكية، ومن المندسين والبلطجية، ومن سيارةٍ ورجل مفخّخٍ فيها.
لسنا إنسانً ولا حيوانًا، هنا مغزى القضية. ربّما نحن جراثيم لا تُرى بالعين المجردة. ربّما لا نستأهل أن نسكن الأرض إسوةً بهم لذا نموت جماعاتٍ جماعات. نحن جراثيم، لا أكثر ولا أقل، تتكاثر خلف ستائر الظلام وفي العتمة الموحشة، لا نفع منها والحفاظ عليها في بيئةٍ جيدةٍ قد يودي إلى التهلكة، لذا حيث نسكن لا مكان لشروط العيش الصحيحة. نحن جراثيم، لا نُرى، كل ما يُرمى علينا من أسلحةٍ وصواريخ، ليست عن سابق إصرارٍ وتصميم، هي مجرد تجارب على أرضٍ خالية.
لماذا أطفالهم أغلى من أطفالنا، لماذا حياتهم أسمى من حياتنا، لماذا موتاهم أعزّ على العالم من موتانا، لماذا أرواحهم طيفٌ يملأ العالم بالحزن والأسى، وأرواحنا مجرد أضغاث أحلامٍ يعترض طريقها وجهٌ عابسٌ ليس لألمٍ تسبّب به بل لقرفٍ حلّ أمام رؤياه. كلّ ما يحصل لهم يُرى، وكلّ ما فرض علينا كمعاناةٍ طويلةٍ أضحت هي الحياة، لا أحد ينظر إليها.
نموت جماعات، تقتلنا إسرائيل، ويدفننا أتباعها في العراء، يتسولون بذكرانا أمولًا تتكدّس في خزائنهم دون حياء. يقتلنا الديكتاتور وأتباع النظام، يخمدون أصواتنا، يطفئون حركاتنا، يرفضون أن تلهج أرواحنا ولو بمجرد أحلام، ومع هذا لا أحد يتحرك، لا عالم يهتزّ من مأساتنا، لا أحد يرى في الغدّة السرطانية المتمددة في عالمنا أي شر، نحن بنظرهم السبب، نحن الإرهاب بعينه، ووجهه، ولسانه. نحن التخلّف والرجعية، والوباء الذي إذا تفشّى في عالمهم، فعلى دنياهم السلام.
فليقل لي أحد، لماذا أطفالهم أغلى من أطفالنا، لماذا لا يذكر العالم أطفال المنصوري والفتاة التي احتزّ رأسها، لماذا لا يذكرون أطفال قانا، والأطفال الرضّع الصامتين صمت الأبدية المخيف، لماذا لا يذكر أحدٌ أطفال الباص الذي قصفته إسرائيل في ذات سنةٍ في عيد الأم، لماذا لا يذكر أحد أطفال صبرا وشاتيلا، وأطفال فلسطين المرميين على مذبح رغبات عدوّهم الذي يحلّق بسمائهم ويقصف ما يريد، أطفالٌ كثرٌ غدوا في سجّل الأموات وهم خلقوا للحياة.
وأنا هنا لا أريد تبرير قتل الأطفال، لا أريد أن يُسنّ قانون الطفل بالطفل والعين بالعين والبادئ أظلم. أريد فقط من العالم أن ينظر نظرةً واحدة، أن لا يعمي أبصاره ويفقأ عينيه ويظل يشير للقاتل على أنّه الضحية، إذا كنا نحن من يقتل الأطفال، فأطفالنا ماتوا على أيديهم من قبل أن يبدأ القصاص. فلنحاسب القاتل، ليس ذاك الذي فتح النار في مدرسةٍ في تولوز، بل ذاك الذي يدكّ بيتًا فيه أمّ وخمسة أطفال من دون أن يكون في قلبه ذرّة رحمة.
ما أبشع ما تحوّل له العالم، أضحى مسخًا غريبًا، لا يعرف معنى لإنسانية. ما أقسى أن يُقتل أطفال الأفغان، وأطفال العراق، وأطفال فلسطين وأطفال لبنان، ولا تقوم الدنيا، ويُقتل طفلٌ أشقر أو طفلةٌ شقراء وتهتزّ له أركان الأرض سواء.
عذرًا يا أطفال فما أقسى العالم.

Advertisements