أنا محجبة… أنا بعبع

Posted on مارس 22, 2012

5


أوّد أن أكون عنصرية، ولو لخمس دقائق. أوّد أن أميّز بين الأحياء والأموات على حدٍّ سواء. لن يتذّكر أحد مروة الشربيني، الفتاة المحجبة التي طعنت من قبل متشددٍ يرى في حجابها استفزازًا يستحقّ القتل. لن يتذكر أحدٌ فتياتٍ منعن من إكمال دراستهن في جامعات أوروبا بدعوى الحجاب الذي يعامل كرمزٍ ديني يستحقّ القمع. لن يستنكر أحدٌ تلك الأمور، فالتمييز الحاصل والذي يمنع آلاف الفتيات والنساء من ممارسة حياتهن بشكل طبيعي وبعيدًا عن كل الأنظار المستغربة لن يهزّ جفن أحدٍ بعد الآن. فما نستغربه من دولٍ أجنبية ترى في الحجاب مجرد قطعة قماشٍ تجبر على ارتدائها بعض الفتيات وقد يعيقيها في أداء الكثير من أعمالها أصبحت حجّةً لدولتنا اللبنانية في منع تسع وثلاثون أنثى من الالتحاق بالأمن العام، رغم تجاوزهم لامتحانات القبول بنجاح. منعت الفتيات بحجة أنّ الدولة لا توظف محجبةً في سلكها العسكري.
لا أدري، أليست هذه وقاحةٌ واستهزاءٌ بشريحةٍ واسعة من المجتمع اللبناني. وجهٌ مقرفٌ آخر من وجوه الدولة التي تعتبر نفسها رائدة في الحريات بجميع أنواعها. والتي يكفل دستورها حرية الإيمان والمعتقد ولو حتّى بالشيطان، تقف أمام فتيات عاديات لا يختلفن كثيرًا عن فتيات هذه الأيام، لسن متخلفاتٍ عقليًا، ولم يمنع الحجاب الذي يضعوه على رؤوسهن من تعطيل تفكيرهن، هؤلاء الفتيات لسن من المريخ، نصطدم بهن أينما كان، في الشوارع والجامعات والمدارس، وكل ما يمكنك أن تدخله ولكن ببدلٍ مالي، أما في الوظائف فحقوقهن مهدورة، فهم لسن من الطبقة العادية، هم بنظر الجميع لهن أماكنهن الخاصة وحدودهن التي لا تتوافق مع الصورة اللبنانية المبهرجة.
فتياتٌ محجبات، بعبع المجتمع اللبناني، كم من فتاةٍ لديها الكثير من المؤهلات والمقومات التي تميزها عن كثيرات لكنّها تُرفض وتحجّم وتوضع في الزاوية لأنّ شكلها لا يتناسب مع الوظيفة المطروحة. فحجابها يضع حدودًا، ويحدّد طريقة تعاملٍ ربما محترمة ولا تليق بالأنثى اللبنانية التي يجب أن تكون على مقاييس عارضات الأزياء.
فتياتٌ محجبات، لا يتضامن معهن أحد، لا يخرج العلمانيون من أوكارهم ومدّعي الحرية والعدالة الاجتماعية ليناصروا أولئك الفتيات اللواتي يظلمن ويضطهدن، قد يخرج جمعٌ غفير ليطالب بحقوق فتيات الليل و المومسات والأجنبيات المعذّبات ولا تتشكّل ولو مظاهرةٌ صغيرةٌ لتتطالب ولو على خجل بالحقّ الطبيعي الذي تكفله شرائع كلّ الأرض.
فتياتٌ محجبات لا يحتسبن ويوضعن في مرتبةٍ أدنى من غيرهن. وكأنهنّ مرضٌ معدي أو جذام. يهرب الجميع منهن، يعاملنهن وكأنهن عبأٌ لا يُحتمل. يصغّرون أحلامهن، يحدّدون طموحاتهن، يسخرون من معتقداتهن، فقط لشيءٍ واحد، لأنهن قررن أن يغطين خصلات شعرٍ يرى البعض فيها أساسًا لعقولهن.
كلّما أذكر رجل الدين الذي طالب الدولة اللبنانية بتعزيز وضع المحجبات في لبنان، وبتعيين سفيرة للبنان في الخارج تكون محجبة. أضحك، كم تبدو طموحاته عالية وخيالية. نحن اللواتي نُرفض في مؤسساتٍ يفترض أنها تدافع عنّا، وتحمي التنوّع والتعدّد وحرية الاعتقاد، نُرفض ببساطة ومن دون تقديم أيّة أسباب. ولأّننا ربما لسنا الوجه الحضاري الذي تبحث عنه المؤسسات، كيف لنا أن نتجرأ ونحلم بالدخول إلى ملاك الدولة العام، ونحن لم نقدر بعد على اختراق النظرة النمطية الخاصة التي تحملها العقول التوظيفية، بأن المرأة المحجبة بعبعٌ، أو وحشٌ، أو محدودة التفكير قد تحرج صورة الدولة المتميزة بالادّعاء.
هو ليس قطعة قماش، وليس زينةً تستكمل بها الثياب.
هو ليس أنا، لكنّه بالتأكيد يختصرني، يرسم صورتي في أذهان الآخرين، يعرّف عنّي، يحمل في طيّاته عنواني العريضة، وبعضًا من أفكاري وقناعاتي.
وأنا لست هو، لكنّه بالتأكيد يمثلّني، فهو النعت الذي يتبعني ويلازمني، فتاة حجاب.
يعجبني أن أكون فتاة ظل، يعجبني أن أنمو وأكبر وأتمدد بعيدًا، يعجبني أن لا أكون محطّ أنظار، يعجبني أن لا أكون كتلةً من اللحم والعظام، يعجبني أن لا أكون شيئًا للمساومة، للبيع والشراء، يعجبني كلّ هذا.
بالنسبة لي حجابي كان خيارًا وغدا مصيرًا، كان رمزًا وغدا أكبر من قضية.
في أعماق معانية، تسكن شتّى المتناقضات، فيه الثورة والسكون، فيه القوّة والضعف، فيه الجرأة والحياء.
فيه كلّ هذا، وربّما لهذا أزعج كثيرين، وكان شوكةً تقضّ مضاجع آخرين.
في حجابي أعرف أنّي إنسانة، وأنّ خطوطًا رسمت تنظم علاقاتي، هي حدودٌ تحفظ حقوقي.
في حجابي أدرك أنّي لست ملاكًا، ولا حتّى شيطانًا، فأنا كائنٌ قائمٌ بين أمرين.
في حجابي أعرف أنّ عليّ أن أبذل أضعاف ما يبذله الآخرون لأثبت وجودي وحضوري.
لأؤكد أنّ حجابي هو انعكاس الظلّ على شعري وليس على نفسي،
فيه أستطيع أن أكون أنا، أن أعيش لذاتي، أن أصقل داخلي، روحي، وأفكاري التّي تسري في عروقي.
فيه أستطيع أن أولد كلّ يوم من جديد.
أن أرسم خطواتي بتحدٍّ اكبر، أن أُشعر نفسي قبل الآخرين بأنّ ما أضعه ليس قماشةً تغطّي خصلات شعر بل هو استمرار لوجودٍ وهوية.

Advertisements