اعترافات أم

Posted on مارس 21, 2012

0


لا، ليست الجنّة تحت أقدامي، أعرف هذا. لن أعيش في صورةٍ نمطيةٍ تمنون بها علي. لست مدرسةً، ولا أهزّ العالم بيساري. لم يفرش لي أحدٌ الورود، لم يرَ أحدٌ دموعي التي تبلل وسادتي حزنًا على أحلامٍ وتضحياتٍ أجبرني الجميع على القيام بها. لا أنتظر من أحدٍ شيئًا، لا أنتظر منهم حفلًا يؤبّن ذكراي وذكرى من معي في هذه المهزلة التي تحوّلت إلى عيدٍ تجاري يُشبع نهم البطون التي تتغذّى على الأموال. لا أنتظر هديةً ولا ابتسامةً تخبرني أنّ ما أقوم به هو أسمى ما خُلقت لأجله المرأة.
أنا أم الجندي الذي يُطلق النار دون حساب،أنا أمّ القناص والشبيح الذي يخدم النظام البلطجي المعتدي على العباد، أنا أم الديكتتاتور الذي زرعت في عقله أفكار الألوهية والقداسة، هو أو لا أحد كانت هذه وصيتي الأساس. أنا أم الإرهابي الذي يرى في قتله جماعةً من البشر مفتاحًا للدخول إلى الجنّة. أنا أمّ كل هؤلاء. أنا الأم الشريرة التي لا تتناسب مع مواصفات الأمومة العالمية، التي تزرع في عقول أبنائها الحقد والكراهية، تشرّح قلوبهم لتمدّد في داخلها أسلاك التقسيم وجدران الانتقام. أنا الأم التي لا تنسى ولا تسامح. لا أعيش في عالمٍ وردي، ولا أرى بريقًا في عيني من منحتهم الحياة. أنا الأم السوداء التي قد تترك أطفالها لتعيش حياتها. أنا الأم التي لا تعرف معنى أن ينبت طفلٌ ما بين أحشائها، لا تعي لتغير العالم من حولها، لا تدرك لمسؤولياتها ولا لحجم الواجبات التي أرست حملها على أكتافها. أنا الأم التي لا تمنح ولا تعطي أكثر من روحٍ نُفخت من روحها. لا ترى أحلامها تنبت في أبنائها، لا تقتنع بأنّ صورتها هي انعكاسٌ لصور آخرين باستثنائها وحدها. كل هذه الصور الجميلة عن الحضن الدافئ، والروح المعطاءة، والحنان الدافق محض هراء. أنا الأم التي تمنح صك تربية أطفالها لخادمةٍ في البيت، أنا الأم التي تعتبر الأولاد عبءًا وعائقًا أمام مسيرة حياتها. أنا الأم التي ترى في الأمومة لقبًا ظاهريًا لايتطلب أي تضحيات. أنا الأم التي تترك وتمشي وترمي كلّ من أنجبته على قارعة الطريق علّ يدً تلتقطه فتمنحه الحياة.
أنا الأم التي تربّي الوحش والقاتل والأناني والمتسلط والجزّار. تعتقد أنّ لا تأثير يذكر لها عليهم. ترى في نفسها شيئًا أكبر من هذه الأمومة البلهاء. ربما أدركت حقيقة الكون قبل غيرها، ربما عرفت أنّ الأمومة سجنٌ آخر نُحبس بين قضبانه ونُطالب بالمزيد. كلما أحرقنا أنفسنا طغى الآخرون علينا، كلما أضئنا الطريق أظلمت نفوسنا التي تسكن أجسادنا.
ليست الأمومة دومًا شيئًا جميلًا، ليست فيلمًا مليئًا بالألوان، قد تأتينا مجرد مشاهد بالأسود والأبيض. قد لا تمنحنا السعادة التي يتغنى كل فمٍ بوصفها. الأمومة انتحارٌ للأفواه المفتوحة بانتظار فتات خبزٍ، الأمومة موتٌ في ظل رجلٍ لا يعرف الفرق بين المرأة والبقرة، الأمومة عارٌ في وجه قانونٍ مجحفٍ بحق النساء. الأمومة مهزلةٌ في الأدغال.
للأم الصومالية التي تحتار بمن تبدأ في إطعام أطفالها كسرةً من الخبز اليابس. للأم التي يُعتدى عليها كلّ يومٍ بالضرب والإهانة وتسكت درءًا للفضيحة واتقاءً للعار. للأم التي تعمل بدولارٍ واحدٍ أجرًا أسبوعيًا لتشتري احتياجات بيتها. للأم الأفغانية والعراقية التي تحصي كل صباحٍ أطفالها، علّ انتحاري سرق أرواح أحدهم على عجل. للأم الحزينة، للأم الغريبة، بئس هذا العيد الذي يذكرك يومًا ليطويك غدًا إسوةً بغيرك من النساء المعذبات في ظلام عالمنا الدامس.

Advertisements
Posted in: لست أدري