من قتل ويتني هيوستن

Posted on مارس 20, 2012

0


يُعتقل ممثلٌ عالمي وهو يتظاهر احتجاجًا على تجويع منطقةٍ في بلادٍ نائية قرّر وهكذا لزامًا للبريستيج الاجتماعي أن يتبنى قضاياها. تغني أخرى في حفلٍ خيري يعود بريعه إلى أطفال مناطق أخرى ذابت عظامهم كما تنصهر ثروات الأرض في بطنها انتظارًا لليد الأجنبية التي تستخرجها. يعتلي الكثيرون المنابر، يقف الجميع منتصبين لذكرى الضحايا وأموات القضايا التي لا تجد إلّا على أوطاننا أرضًا خصبةً تستأهل أن تينع وتترعرع فيها. هذا الكمّ الهائل من الأحداث التي تجعلنا متنبهين لأدنى حركة، ننتظر المؤامرة المحاطة ضدّنا، نرى في الخلافات والنزاعات أمورًا اعتيادية. لا يثنينا شيءٌ عن متابعة حياتنا اليومية المليئة بالأزمات، وكأنّ هنالك خطّة محكمة لعرقلة تقدمنا واندفاعنا نحو الأمام. نعلق في كل الأمور. يصبح ارتداء القضايا التي ترتفع في ساحتنا موضةً رائجة، نخلع ونرتدي ولا يوقفنا أحد، العالم كلّه يساعدنا في إتمام المهمّة. تبقى قضايانا كما هي، لا تتلوّن ولا تتزيّف، تبقى صامتة راكدة، في بلادٍ لا تعرف كيف ترمي الماضي خلفها، وتهدم الجدار، في بلادٍ لا تتوانى فيه عن رفع حجارة الفصل بين أراضيها.
الكلّ يؤيد مطالبنا، نحن أبناء العالم الثالث، المثيرين للشفقة، إذا تقدّمنا صفّقوا لنا، منحونا جوائز الترضية العالمية، وإن بقينا مكاننا منّوا علينا بمنحٍ مالية ومساعداتٍ عينية، وأكياس قمحٍ ومعسكرات لجوءٍ وممثلين يأتون للزيارة اطمئنانً على أحوالنا.
نحن أبناء العالم الثالث، يتسلّى بنا الجميع، يأتون دومًا متأخرين، يبحثون في أسباب موتنا وهم وحدهم السبب الأول والرئيس. منذ ذاك التقسيم الوهمي للعالم، بين أولٍ غنيٍّ متقدمٍ وثالثٍ بربري، صار البشر أصناف وأنواع. أصبحت النوعية هي الأساس. لا أحد يسأل من قتل محمد ومن جوّع هناء ومن سجن خضر، لا يهم فمنا الكثير. أكثر من الكمية المحدّدة في حسابات الدول الكبار.
كم أكره النفاق، كم أكره تسارع الدولة لقضم جثثنا وفيها بعد بعضٌ من أنفاس. كم أكره عيونهم العمياء عن كلّ ما يلحق بنا، كم أكره انتقاءيتهم المقيتة، وتمييزهم حتّى بين الأموات. قدرنا الوحيد أن نكون ممثلين ناجحين نعرف كيف نقدّم المسرحية. همّهم أن يستبقونا عالقين، نسكن في دوائر مفرغة لا توصلنا إلى مكان.
أبناء العالم الثالث يدفعون الثمن، لا يهم ماذا يرغبون وبما يحلمون. لا يهم إن كان قد بقي لهم بعضٌ من أمل. فالعالم الأول مرتاح، من يعيش بين أحضانه يكاد يجزم أنّه في الجنة، لا حرب تهدّده حتى في المنام، لا أجساد تحت الأنقاض، ولا دعوةً لوقف العمليات. هو وحده المسيطر، والمتحكّم والمستفيد، من يعيش على ظهره يدرك أنّه من نوعٍ مختلف، لا يسكن ذات الكوكب الذي قد يسمع أخبارهبين الحين والحين من بعض المتطفلين على أكاذيب يؤمنون بها لتغدو قضايا تقضّ مضاجعهم وحاضرهم ومستقبلهم دون خجلٍ، تخرق صدورهم وتحزّهم من الوريد إلى الوريد.
من قتل ويتني هيوستن، من قتل مايكل جاكسون، من قتل سوزان تميم، من قتل ومن قتل، والموتى يحصدون في بلادي بألف سبب، يزيد العدّاد أرقامهم، تُعقد المؤتمرات، ويشترك فيها الجميع إلّا الضحايا وأصحاب القرار، لا أحد يسأل الأم التي فقدت ابنًا شابًا على يد قناص النظام، ولا طفلًا خرج إسوةً بمن خرجوا واصطادته رصاصة غدرٍ من بندقيةٍ طائشة. هذا النظام العالمي متآمر، تمتلكه وقاحةٌ خارج حدود المعروف، في أدغال التاريخ لم يرعَ إلّا مصالحه، كان وما زال اليد الخفية والظاهرة التي تبقينا في أماكننا عالقين.

Advertisements