ارمِ بنفسك في البحر، وانتحري (٢)

Posted on مارس 13, 2012

0


لا تسألي يا غزّة عن العرب، فهم صاروا أتباع أبي لهب. لا تستنجدي بنا، لا تطلبي من هيئة الأمم أن تنظر القضية، وتحكم بالعدل بين قاتلٍ ومقتول، بين متجبّرٍ ومظلوم. الموت ملّ منك يا غزّة من كثرة ما قصّ من أرواح، الموت تعب، أُنهك ومنذ ذاك اليوم قرر أن يأخذ ما لديك من كافة الأعمار والأجناس بالجملة لا بالتفريق.
نحن نعرف، هذا مخطّطٌ رديء، يستنزف ما تبقّى من قدرة على الحياة، يقتل حتّى حقّ البقاء، ولا أحد يسأل، ولا أحد ينظر إلى الطائرات التي تدكّ أرضك وتعصف بسمائك دون رقيب. لا دولٌ أجنبيةٌ قلقة على مسار الديموقراطية في الشرق الأوسط الجديد، ولا بلادٌ عربية تسلّح قومًا على قومٍ وتترك العدو على أرضها بهيئة الحر المظفّر، ولا شعوبٌ صار خبر الموت عندها إحدى احتياجاتها اليومية عوضًا عن الخبز والكرامة.
من أين أبدأ يا غزّة، وأنا مذ كنت طفلةً صغيرة أسمع بفلسطين، بالموت في فلسطين، بالدمار والقصف والطرد والانتهاك والتعذيب في فلسطين. ملّ الكلام من كثرة ما علكنا اسمك في أفواهنا، ملّت الساحات منّا ونحن نضيء لك شمعةً وبعد ساعةٍ نذهب لننام في أسرّتنا مطمئنين.
لا شيء سيحدث، يوم تقرر إسرائيل وحدها أن تتوقف، ستفعل ذلك. لا قرارٌ من هيئة الأمم، ولو وقفة في جامعة الأموات الحقيرة، لا شيء سيوقف الحرب على غزّة إلّا إسرائيل. وحدها، تلك الدولة الشمطاء تضحك علينا، تقتل وتعرف أنّ أحدًا لن يسأل، ربّما لو رمت غزّة كلّها بالبحر لن يهتزّ جفن أحد، ربما لو هدموا الأقصى وكلّ أثر في المدينة لا شيء سيحدث، لن نهبّ جمرًا من تحت الرماد مستعرين.
ها نحن هنا، شعوبًا عربية نسكن الأرض التي قرب فلسطين ونشعر أنّ ما يجري هناك قد يكون على المريخ. نستمر بحياتنا بطبيعيةٍ قصوى. ربما يصدر من بين أفواهنا استنكارٌ أو تنديد، لكنّ أحدًا لن يجرأ على يقذف الغضب الهائج في داخله كرة نارٍ في وجه الإسرائيلي.
من أين سأبدأ يا غزّة، وقد عشنا نحن في كذبة الثورة، صدّقنا أنّنا ثوّار. ونحن لا نعرف أنّ الثائر لا يقف عند حدود بلاده الميتة، لا نعرف أنّ الثورة مخاضٌ وليست محضّ مستنقعٍ تلهي عن كبائر الأمور. زرعوا بعقولنا بأنّنا ثوّار، كبّروا أحجامنا، قلبوا الأمور، غيروا بوصلة المقاومة. ورويدًا رويدًا سنقبل بإسرائيل جارة، وقليلًا قليلًا سنستوعب فكرة أنّ إسرائيل قدرٌ لا مهرب منه، هكذا يقولون، نحن الثوّار المتأخرين عن إعلان حالة الثورة، علقنا بين براثنها دون أن يخطر ببالنا أن نعلنها ثورةً ضدّ الكيان الغاصب في فلسطين.
مرّة أخرى، تكبر أحلامنا. مرّةً أخرى نُطالَب بنصرة القضية التي تعرّت من أسمى معانيها. مرّة أخرى نسمع استغاثة غزّة، الموت يلفها، والخنوع يلفّنا نحن من كل جانب.
ستسألين أين العرب، وأنا أقول لك، هم مشغولون عنك بالحقن وزرع الحقد في بعض البلاد، وتسليح بعضها الآخر، لتصبح المعركة طائفيةً بامتياز. أمّا أنت، فقضيتهم الثانوية قد غدوت، ربما ساوموا عليك لقاء بعضٍ من قنابل ورصاص.
غزّة. ارمِ بنفسك في البحر، وانتحري.. قد يكون حلك الوحيد لتجذبي الانتباه وترتاحي من قدرك العنيد.

Advertisements