حقًا أنا لا أهتم

Posted on مارس 12, 2012

1


حقًا أنا لا أهتم، لماذا أستمر بالكذب على نفسي، أعيش في عالمٍ ظاهره يخالف باطنه، لماذا عليّ أن أبذل كلّ هذا الجهد لأثبت لمن حولي أنني أهتم، فأنا حقًا لا أهتم. فقدت أحاسيسي منذ زمنٍ بعيد، ربّما من الوقت الذي تحوّل فيه الكلام إلى جلودٍ للمضغ. لا يهمني إن دكّت الطائرات قطاع غزّة، وإن راح مليونٌ من الشهداء هناك، لا يهمني إن أضرب الشعب كلّه عن الطعام حتّى تراه الأمم العمياء. لا يهمني ما يجري في سوريا، ولا حجم القتل الدائر في مناطق النار، لا يهمني من يرغب باقتلاع الحصن الأخير، وترجيح الكفّة للثوّار. لا يهمني تقسيم ليبيا، ولا أسرئلة العراق، لا يهمني من يتعامل مع إسرائيل من تحت الطاولة أو خلف الشباك، لا يهمني أنّني أقطن العالم الثالث الذي يدفع ضرائب من يعلوه نوعًا ومال. لا يهمني أنني أُباع وأشترى، وأنّ سعريً خاضعٌ لمزادات المصالح وتجّار الأرواح.
في عالمي البعيد عن كلّ تلك الأخبار المقززة، لا شيء يدفعك للاستمرار بالإيمان. لا شيء يحثّك على المتابعة. إنّها المؤامرة، ليست تلك التي تستهدف الدول والحكومات، بل أخرى همّها إيقاف الشعوب مكانها دون حراك. كل من فكّر بإمكانية التغيير، انقلب عليه الأمر ليغدو أقرب للجحيم. كلّ من حوّل كلام الحرية والمشاركة والتعددية إلى فعلٍ، دقّ التقسيم والإرهاب أعرَض أبوابه وأصرّ على الدخول.
في عالمي البعيد، عن الخرافات والقصص التي تحوكها أيدٍ كثيرة لا شرط في أن تكون داخلية آو خارجية، في ذلك العالم الذي لا ترى فيه وقاحة الأجنبي المخيفة، والطاعة العمياء التي يلقاها، لا تسمع فيه لديكتاتورٍ يُحاضر بالديموقراطية، ولا لقاتلٍ يتحدث عن السلام ويطالب برمي الورود في وجه الرصاص. في ذاك العالم، لن يطالبك أحدٌ بإضاءة شمعة، لن تضطر للتظاهر بالحزن على موتى لا يخصّونك، لن ينفعك الكلام، لن ترتدي أثواب النفاق لتثبت أنّك تهتم لقضايا الإنسانية وهي حقًّا آخر ما قد تهتم به.
لن أكذب بعد الآن، لن يهمني إن أطعم ثمن هاتفي شعبًا صوماليًا، لن يهمني إن تحررت القدس أم بقيت على حالها لآلاف السنين، لن يهمني التقسيم الذي عمّ الأقطار العربية، لا يهمني الشحن الطائفي والمذهبي وكأننا عدنا ألف عامٍ إلى الوراء، لا تهمني المعاملات العنصرية، ولا أخلاق المجتمع التي انحلّت على الطرقات، لا تهمني حقوقي وإن أعطوني إياها أو منعوها عني، لا يهمني من عُذّب أو من اغتصبت ولم يتجرأ أحدٌ على المطالبة بتقويم الأمور. لا يهمني النفط ولا الشركات العائمة على حساب الناس، ولا الفقراء ولا المساكين ومن لم يجد سريرًا لمريضٍ له في مشفى. لا تهمني أبراج المدينة العالية في جهة وأبنيتها المنهارة على رؤوسٍ في مكانٍ آخر من الأرض ذاتها. لا يهمني أن تغرق البلاد بالمخدرات، وأن يعلق شبابها بين التعاطي والفرار، لا يهمني إن تخرجّت ولم ينتشلني أحدٌ من أرض البطالة لأنّي لا أملك وساطةً كبيرةً أو كنت محسوبةً على طرفٍ مهم في البلاد.
اشمئزازٌ تام، لا أرغب بشيء غير أن أطفو على سطح الهواء. أتخفّف من الأثقال التي فرضتها أوطاننا علينا، أتخفّف من حديث الخبز والحياة. لا أريد أن أسمع شيئًا، لا أريد أن أرى نذر الحرب القادمة. وحده السلاح يتدفق في عالمنا، وحدها مخيمات اللاجئين تُنفذ وتُبنى بمصداقيةٍ تامّة. لا شيء على هذه الأرض يستحقّ الانتظار، لا شيء يدفعك للمقاومة. كلّ شيءٍ مكتوب، وحدنا من نعيش في عالمٍ من خداع، ظنّنا أننا أمسكنا زمام الأمور، وإذ بالثورة تحولت إلى مخاضٍ أليم لشرق أوسط مليءٍ بمستعمراتٍ صغيرة.
لا تكذبوا على شعوب العالم الثالث، لن نعيش في هراء الإنسانية. لسنا سوى ممثلين ناجحين في مسرحية العالمية الإمبريالية.

Advertisements
Posted in: عشوائيات