أبو عبد الله الإرهابي

Posted on فبراير 28, 2012

0


تُرى من يكون. وفي أيّ أرضٍ يختبأ. أبو عبد الله الإرهابي. نتخيله رجلًا أتى من غابر الأزمان، يريد إعادة الخلافة والإمارة إلى أذهان الناس. يتراءى لك مشعث اللحية، خشن الملامح، حاملًا سيفًا بيمينه وسوطًا بيسراه. من أنت أبا عبد الله الإرهابي، تطلّ علينا في كلّ مرحلةٍ مفصلية، توّزع تفجيراتك الإرهابية حيث يحلو لك، لا تسأل عن بشرٍ أو وطنٍ، تلف خصرك بحزامٍ ناسف، تتحوّل لقنبلةٍ موقوتة، دون أن تسأل عن نوع دماءٍ أو كمية أرواح. من أنت أبو عبد الله الإرهابي، وحدك تدري أنّك لست سوى فزّاعة. رجلٌ من خشبٍ وسط الحقل تمنع الدخلاء برأيك من قطف بذور الحقيقة، وحدك تدري أنّك وحشٌ من نسج الخيال، لست حقيقة أنت انعكاسٌ لصورٍ من مخيلةٍ تضجّ بالأحداث. تمامًا كعبدة الشيطان والماسونيين التصَقْت أنت بتهمة الإرهاب.
أبو عبد الله ينبت في كلّ مكان، فطرٌ سامٌّ يتكاثر دون استئذان، فجأة تراه وقد صار البطل والمحرك ومنفّذ العمليات. أبو عبد الله يراقب، أبو عبد الله يخطّط، أبو عبد الله يضغط زرًّا، يُطلق قنبلةً تنفجر في الأصقاع، تغيّر مسارًا كان قد رسم منذ عقود، يفجّر قنبلةً وبها تنهار دولةٌ على أهلها. يصنفهم بين المع والضدّ، لا وسطية عند أبي عبد الله، لا اعتدال.
الفرق بين الاستشهاد والانتحار محض شعرة، حاجزٌ وهميٌّ يفصل الجنّة عن النار. الاستشهاد والانتحار سرّان، مصطلحان معقّدان محيران، وفق منظورك للأمور قد يتحوّل متهوّرٌ أرعنٌ يائسٌ من الحياة إلى بطلٍ شهيدٍ فداءً لقضية. ثلّةٌ من الشهداء هم أم فرقةٌ من الانتحاريين الأشقياء. عملياتٌ استشهادية أم هي انتحارية. هذا اللغط في التعريفات الذي عرّى بعض القضايا الأممية وألبس بعض الأفكار المدفونة في التاريخ ثوبًا من القدسية.
إعرف عدوّك، هذا هو الحل. إعرف عدوّك لتغدو شاهدًا وشهيد. عدوّك يرتدي بزّةً عسكرية، عدوّك يقطع الطريق بحواجز تفتيشيّة، لا يوقّر بشرًا منكم، لا يحترم كرامةً إنسانية، عدوّك من زُرع في أرضك غصبًا عنك وعن أجدادك، وعده أغرابٌ عنكم بالبلاد وأنتم أهلها. عدوّك يملك أكبر آلةً عسكرية، يملك طائراتٍ ذكية، صواريخه تقتل موتاكم وأحيائكم سواء، تدمّر حاضركم ومستقبلكم، تنسيكم ماضيكم. عدوّك غدة سرطانية تعمّم نموذجها العنصري على شتّى القطع العربية، ترغب بدويلاتٍ تشبهها، لا تحوي سوى بشرٍ من صنفٍ واحد.
أبو عبد الله الإرهابي، لعبةٌ جديدةٌ نلعبها اليوم. لا تعرف قواعد بل هي محض عشوائية. فوضى سلاحٍ وأفكار هي معبرٌ لشرق أوسط جديد، مشرّحٍ وفقًا لنظرياتٍ خارجية. إرهابي هو أبو عبد الله، إرهابي نسمع وصيّته بشريطٍ مسجّلٍ يحوي كلماته التقسيمية. أبو عبد الله خيال، أبو عبد الله حقيقة، أبو عبد الله سراب. هي لعبة الإرهاب تطلّ برأسها في المنطقة التي لا ترضى إلّا بأن تكون بركانًا هائج. أبو عبد الله الإرهابي من يحرق مصحفنا القرآني في عقر الدار، من يرمي برصاصٍ حي كلّ ثائر، أبو عبد الله الإرهابي من لا يعرف حرمة طفلٍ أو إنسان، من حزّ الرأس عنده أسمى أعماله. أبو عبد الله الإرهابي من يرفع عاليًا جدران العزل، من يقتل ويهاجم تلقائيًا بوحشية، أبو عبد الله الإرهابي هو إنسان خلع ثوب الإنسانية، هو جندي أميركي في أفغانستان والمستعمرات العربية، هو إسرائليّ يقتل أرضًا فلسطينية، هو بطل التكفير ومن يملك وهمًا مفاتيح الجنة، هو من يكره، هو من يبغض، هو من يصرّ على رسم مستقبلٍ مظلمٍ للكرّة الأرضية.

Advertisements