اللعبة أكبر منّا بكثير

Posted on فبراير 24, 2012

2


لو كنّا قططًا في بلادٍ أجنبية، لما فعلوا بنا ما يُفعل بنا الآن. لأطعمونا، ودلّلونا، وحمونا من أيدي الأذى وبراثن الاضطهاد. ربّما سمحوا لنا بالمواء وما كمّوا أفواهنا بدعوة الانزعاج. لو كنّا قططًا في بلادٍ أجنبية، لضمّونا في أحضانٍ دافئة، وما رمونا في الصقيع، نصطلي الدفء من خيالات نار، ما حبسونا، ما قسوا علينا، بل أنشئوا جماعاتٍ للرفق بنا من غدر الزمان والإنسان.
يا أيها الجالس خلف قضبان الزنزانة، بصمت، أصفر اللون، باهت المعالم، كورقةٍ تهتزّ في مهب الريح. أعرف أنّك لا تنتظر منّا شيئًا، أعرف أنّك لا تسمع لكلامنا الفارغ في عالمك المليء، لا يهمك تضامننا معك، لا يهمك حلقات التأييد ودقائق نفرغها لذكراك في يومنا العاج بالمظاهر والكذب والنفاق.
أبخس ما في أوطاننا الإنسان، يُشترى ويُباع وفقًا لحسابات الدول، هو ليس بطلًا في المسرحية بل مجرد ديكورٍ يختلف مع اختلاف المصالح والمخططات. اللعبة أكبر من ذواتنا بكثير، لا تشملنا ولا أصلًا تفكّر بنا، لا يهمّها إن عشنا وإن متنا، لا يهمّها إن أضرب مليونٌ منّا عن الطعام، لن تزعج نفسها بالسؤال عن أحوالنا، فنحن تحصيل حاصل، وجودنا وعدمه لن يفيدها بشيءٍ كما لن يضرها. إنّها لعبة الأمم، لعبة القضية المفرّغة من الإنسان، دروعٌ بشريةٌ وأرواحٌ تأخذ بالجملة لا يُسأل حتّى عن عددها، وكأنّه قدرنا المكتوب على صفحات التاريخ أن نكون وقودًا لمطامع هذا وهفوات ذاك.
أرخص ما قد تشتريه هو الأرواح التي كانت تملأ أجسادًا اهترت فداءًا لقضية يرى حاملها أنّها أغلى عليه من كل ما يملك. يدفع بروحه وجسده ثمنًا لها يقبضه تاجرٌ لا يعرف الفرق بين الرصاص والبندقية، يبيع الأرض كما لو كانت ملكه، يساوم على البشر والحجر بثروةٍ يخبّأها في بنوكٍ خارجية، يفاوض على الموائد العامرة، يصافح في المؤتمرات الدولية، يسافر ويسافر، ووحده ذاك المرمي خلف القضبان مازال يؤمن بأنّ القضية لا تموت وبأنّها أغلى من روحه ودمه، وبأنّ الرفيق الأعلى الملوّث من رأسه حتى أخمص قدميه بملفات الفساد والرشاوى، والبيع والشراء، والتعذيب والاضطهاد باسم القضية وحده القادر على إرجاع البلاد.
أيّها الجالس في عتمة السجون، المذبذب من كثرة ما حمله جسدك من تحقيقٍ وقمع، لا يهمنا ما اسمك ولا كمّ حكمك، ولا عمّاذا تدافع، سأقول لك الحقيقة، سأخبرك بأنّنا سننسى، سنطوي صفحتك كما طوينا صفحات الآلاف من قبلك وربما الكثيرين بعدك، سأخبرك بأنّ ذاكرتنا قصيرة المدى قد لا تلحق استيعاب اسمك، سأخبرك بأنّنا نسينا الأقصى والقدس وجدار العزل ومستوطنات القهر ونسينا الموتى والمقابر وأطفال الحجارة وكل ما نذكره الآن هو خلافاتنا الأبدية الصغيرة وتقسيماتنا اللامتناهية التي حفرت جدث القضية.
نحن بلاد الأصنام التي ما زالت ترتفع في سماء قلوبنا، نمتهن احتقار الشرفاء، ونعظّم الحقارة ويستهوينا تقديس الزعماء. نؤلّه أصحاب الأموال ولا يهمنا من مات خلف القضبان، لا يهمنا إن متّ خائرًا أو منتصبًا، لا يهمنا شيءٌ ما دمنا نأكل ونشرب وننام.
ماذا يمكن أن نقول عمّا يحصل اليوم، زمام الأمور قد انفلتت من أيدينا قبل أن نمسك بأطرافها. إسرائيل التي كانت منذ ستين عامًا واحدة فرّخت في المنطقة إسرائيليات متعددة. فصلوا العراق عن كردستانه، والسودان عن جنوبه، وليبيا عن منابع نفطها ومراكز الشركات الأجنبية، واليمن محتارٌ بين أسفله وأعلاه، واليوم مبضع التقسيم يحزّ سوريا، وغدًا ما تبقّى من أرضٍ عربية. لماذا يحصل كل هذا، تغلي المنطقة وكأنّ بركانًا هائلًا يُطلق حممه وينذر بانفجارٍ هائل وباقي العالم يعيش بطريقةٍ راضية. كمّ السلاح الهابط على المنطقة لا يوحي إلّا بنذر حربٍ عالمية تكون أرضنا وحدها ساحتها.
اللعبة أكبر منّا بكثير، تجري على أرضنا، لكننا لسنا سوى متفرجين، ومن يلعب ليسوا منّا وهم الأبطال هناك والمخلصين.
لا أدري أيها الجالس خلف القضبان يابس الأمعاء، صلب العزيمة والعنفوان، فاللعبة أكبر منك ومنّي ومن كل الشعوب القاطنة بلادنا العربية بكثير.

Advertisements