إلى طفلٍ شيعي

Posted on فبراير 14, 2012

0


لم أرغب في أن أطلق عليك أيّ صفة، لكنّ العالم أجمع أبى إلى أن يُلحق بذواتنا بعضًا من نفحاته التقسيمية. لست إنسانًا، ولا مسلمًا، أنت واحدٌ من اثنين، إمّا شيعيٌّ أو سنيٌّ. لا تتعب نفسك في لوك الأمور، لا ترهقها بالتعمية والتمويه، أنت واحدٌ من اثنين، وكفى. اعذرني لكلامي الذي يبدو منطقيًا في هذه المرحلة العصيبة، اعذر خطوط التماس الوهمية، اعذر حقدًا زرعوه في قلوبهم، اعذر بغضًا.. كرهًا.. صورًا نمطية..
الجميع يكذب، لا يظهرون ما يخفونه في نفوسهم الدفينة، يتآمرون عليك في عتمة زواياهم الحالكة، يرون فيك عدوّهم الأول والأخير، منذ ألف عامٍ وهم يحاربونك، يطعنونك من الخلف ويختبأون في جحورهم مسالمين. الجميع يكذب، لا أحد يريد لك أن تحيا، لا أحد يرغب بأخذ يدك في هذا الطريق الطويل، يظنون أنّ بموتك تأتي راحتهم، لا يعرفون أنّ البشر ذاتهم أينما كانوا متشابهين، يرون فيك نهايتهم، يرون فيك دولةً موعودةً يخافون أن تبني قواعدها على أرضهم.
الجميع يكذب، في عقولهم تسكن السيوف والنبال، يأمنون بالتطهير، يبحثون عن الجنة في السماء وأولى بها أن تكون على الأرض. لا يهمهم إن كنت طفلًا أو رضيع، فغدًا ستكبر، ستغدو رجلًا يخافون من أحلامه التوسعية، يهابون من رؤاه، لا أظنّك تفهم ما يريدون، لا يرغبون بأحدٍ يفكّر، يخافون ممن يحمل أفكارًا مختلفةً في عقله، لا يقتنعون بأقوالك وعقائدك، فأنت مذ ولدت قد تكون بنظرهم أشدّ وطئةً من الكافر.
وكأنّك تحمل على وجهك سمات الوحوش، وكأنّ كلامك فيه شيءٌ مختلفٌ يرهبهم سماعه، لا تخف من حدّة السيف ولا من رائحة الموت إذا فاحت. لا تخف من صوت تفجيرٍ أدخل من لفّه في وسطه إلى الرسول. هكذا هم، همّهم التكفير، ورمي الآخر بالتّهم، يقيسون كلّ شيءٍ على كلماتٍ موروثة، بعقولهم المحدودة يحكمون على الآخر مهما كان، يملكون مفاتيح كلّ شيء دون أن يصبحوا شعب الله المختار. يخلقون للآخر ما يخيفهم، يخلقون للآخر منهم عدوّا يضخمونه في عقولهم، هم يعرفون ماذا يريدون. لا تهمّهم إسرائيل وتدنيسها للأقصى، لا تهمّهم أميركا بشرق أوسطها الجديد، لا تهمهم الديموقراطية التي دفعت المنطقة ثمنها أشلاءً ودماء.
يهمّهم فقط أن لا يسطع نجم أيّ شيعيٍ في سماء مناطقهم، يزرعون في عقول أبنائهم كلامًا لم تسمعه في حياتك، يحدثونك عن كتبٍ هي أصل عقيدتك وعينيك لم تطأ غلافها أبدًا، يحدثونك عن مصحف فاطمة وقرآنٍ غير قرآنهم وأنت تعرف أنّ كتابك المقدّس صدر من مطابعهم، يحدثونك عن أشياء لم تسمع بها، يتهمونك ببدعٍ وأنت آخر من ينفّذها، يحيكون حولك الأساطير و حكايات الخيال ليروا فيك كائنًا هابطًا من السماء، وأنت تعرف أنك مجرد شخصٍ عادي، ساهمت الصدفة أكثر في تكوين ما تؤمن به.
ابني العزيز، الكراهية من حولك تتزايد، وأنا لا أعرف إن كنت ستقدر على الاستمرار، أعرف أنّه محكومٌ عليك بصفةٍ لم تخترها، أعرف أنّهم سيرمونك بتهمٍ من ألف عام، يحاكمونك على عالمٍ موغلٍ بالقدم، يحاججون على خلافاتٍ طواها التاريخ ولم تطويها نفوسهم.
ابني الشيعي، قد يذوب جسدك بتفجيرٍ انتحاريٍ قرّر صاحبه أن تكون روحك ثمن دخوله إلى الجنة، قد تُخطف، قد يحزّ رأسك، لا أعرف ماذا الذي قد يحدث لك، لا أعرف أيّ سيناريو مرسوم لموتك، لا أعرف، أعرف شيئًا واحدًا فقط أنّ العداء يتزايد، وأنّ الحديث عن الوحدة محض أكاذيب اخترعناها انتظارًا لاستيقاظ المارد، أعرف أنّ التفريق والتقسيم أضحى جزءًا من حياتنا اليومية وكلماتنا، نحن والآخر طرفان لن يلتقيا بعد الآن. أقولها لك وبوضوح.

Advertisements