والتّهمة كلمة

Posted on فبراير 13, 2012

0


وينستون هناك، في زاوية غرفته، يكتب مذكراته على ورقةٍ بخفاء، لا يريد للأخ الكبير الذي يرى عيونه في كلّ مكانٍ أن يكشفه، لا يريد للكاميرات المزروعة في بيته أن تشهد عليه بتهمة كتابة الأفكار، لا يريد لجيرانه أن يقبضوا عليه متلبسًا بجريمة. وينستون ليس مجرمًا، هو رجلّ أحب أن يدوّن ما يدور في عقله، أراد أن يشعر ولو لمرةٍ بإنسانيته، الإنسان الذي يفكّر ويحبّ ويبغض. وينستون هو رجلٌ عادي، كأي رجلٍ على وجه هذه الأرض، ضاق ذرعه بحكم الأخ الكبير، أعياه استسلام الشعب لسطوة الحزب الواحد، يشتغل بصناعة الأكاذيب في وزارة الحقيقة، يرى ببساطةٍ كيف تُغسل عقول الناس، يرى كيف أنّ العدو والصديق مجرد لعبةٍ بيد الكبار. وينستون أحبّ أن يختبر التغيير، صمّم على خرق النظام السائد، يريد أن يخلّف ورائه شيئًا ما، يريد أن يخبر من يأتي بعده بحقيقة التاريخ، يريد أن يكتب كلمةً تضيء عتمة المستقبل المستمدة من الماضي.
وينستون ليس حقيقة، هو مجرد خيال ابتدعه عقل كاتبٍ في زمنٍ مضى. وينستون لم يكن يومًا هنا، لكن الآلاف ممن جسّدوا الرواية على أرض الواقع كانوا بشرًا من لحمٍ ودم. نظام الأخ الكبير والحزب الواحد الذي بشّرنا به جورج أورويل في روايته “١٩٨٤” أضحى جزءًا من عالمنا اليوم. كلّ شيءٍ مراقب، حتى أفكارك التي تسري في عروقك، كلماتك التي تتفوّه بها أو تخطها هي سبب أدانتك. يُعتقل أشخاصٌ، يعاملون بقسوة، يعذّبون، يرمون بأقسى التهم ويسلبون من أبسط حقوقهم لأنّهم قرروا التفكير بحريةٍ دون قيدٍ أو شرط. يخفون خلف زنازين انفرادية، لا أحد يعلم ماذا يُفعل بهم، يتحولون إلى شيءٍ يٌفرغ النظام كلّ ما يحويه من قسوةٍ عليهم، لا يرحمهم فهم خرقوا قدسية قوانينه، رفضوا التفكير الجماعي السائد، قرروا أن يحلّقوا بعقولهم بعيدًا عن المتعارف به بين الناس.
لماذا لم يفكّروا بما أردنا لهم أن يفكّروا به، من أين جاؤوا بهكذا كلمات، يصيح النظام. همّ النظام أن يسيطر على عقولنا، همّه الوحيد أن تمسخ الحقيقة وتتلون العقول بما يتناسب مع مخططاته، يريد للشعب أن يصدّق أن الرئيس يتجوّل بأبهى حلله، لا يريد لولدٍ أرعنٍ طائشٍ أن يصرخ عاليًا بالحقيقة، أن يبرز عورة الحاكم ويرفع الغطاء عن العيون المغمضة.
النظام يرى في الفكرة تهمة، النظام يرى في الكلمة جريمة، يتحوّل كاتبها لأنّه تجرأ على قول الحقيقة إلى مجرم يستحق ربّما أن تنزل به أشدّ عقوبات الأخ الكبير.
وينستون ليس بيننا، لكن حمزة الكاشغري بيننا، ومعاوية الرواحي بيننا، والعديد من الصحافيين والكاتبين والمدونين الذين حضنتهم قضبان الزنازين، وذاقوا أذى التعذيب بيننا. يريد النظام منّا أن نلتزم بسياسته، أن لا نخرج عن طورنا أبدًا ونهلوّس بالحقيقة. الحقيقة هي ما يكرهها النظام القاسي، الكلمة التي تفضحه أمام العامة، لا يريد للجميع أن يعرف أن الأوضاع سيئة إلى حدّ العدم، لا يريد للشعب أن يعرف أنّه يعيش في غابةٍ لا تحكمها سوى سلطة القوي، لا يريد للشعب أن يعرف أن الخبز وحده لا يُطعم الإنسان، لا يريد للشعب أن يعرف أنّ الاحترام والمواطنة واجبٌ للدولة تبديه اتجاه من يسكن أرضها، لا يريد للشعب أن يعرف بأنّ الخوف صنمٌ بناه الناس وحدهم وببساطةٍ يمكن تهديمه، النظام لا يريد للشعب أن يعرف أنّ التغيير ممكن، وأن الرئيس ليس مشروعًا قائمًا مدى الحياة وقابلًا للتوريث، وبأنّ أيّ إنسانٍ على وجه الأرض يملك رجاحة العقل يمكنه أن يحكم، وبأنّ الله لم ينصّب بالاسم أحدًا خليفةً له على أرضه.
وينستون في زاوية غرفته، يعتقد أنّ لا أحد يراه، يظنّ أنّ بإمكانه أن يحلم بالخفاء، لكنّه لا يدري أن أحلامه قُبض عليها متلبسةً بجرم خرق حدود السماء. وينستون لا يعرف أنّ الرئيس يراقبه، لا يعرف أنّ كلاماته تلك ستبقى تتردد في زوايا عالمنا تبحث عن بطلٍ جديد يملك شجاعة وينستون تلك ليخرق نظام الأخ الكبير.
والجريمة هي كلمةٌ انبثقت من خيالات فكرة.

Advertisements
Posted in: حريّات