لو تنبت وردةٌ على خط النار

Posted on فبراير 11, 2012

0


لا تسخر من الربيع يا صديقي، فالربيع لا يأتي إلّا بعد أن تضجّ أذنيك برعد الشتاء. لا تسخر من المطالبين بالحرية وقد سُجنوا خلف قضبان كلماتهم لا يقدرون على فرار. لا تسخر من الأشلاء المرمية على الأرض كحاجةٍ أساسيةٍ أضحت تتكرر ظهر كل جمعة. لا تسخر ممن يتّحدث لك عن أهداف الثورة، لا تسخر ممن يرسم صورةً للبلاد من دون أن يكون على رأسها الأسد، لا تسخر ممن استفاق، لا تسخر ممن لا يزال مصّرًا على أنّ الثورة لا بدّ منتصرة رغم كلّ الأخطاء والهفوات.
لماذا علينا أن ندافع عن الديكتاتور. لماذا علينا أن نبقيه حتّى يتوقف حمام الدم ومنظر الأشلاء المطروحة على الطرقات. لماذا تسلك المعارضة تلك الطرق من العنف المبتذل الذي لا ينتج سوى القتل ومزيدًا من الحقد والكراهية. المعارضة تقتل والنظام يقتل، المعارضة تخطف والنظام يزجّ بكل من يرى في عيونه الثورة في مساحات زنازينه المتبقية. كيف ستنجح الثورة، وكيف يسقط النظام والطرفان تحوّلوا إلى قطبين متساوين في القوّة والدعم، إنّها الحرب الباردة لكن مع كثيرٍ من دماء الأبرياء.
لو لم تسلك المعارضة خط النار، لو قررت الاستمرار في السلمية رغم أنف النظام، لو أطلقت وردةً في وجه رصاصة، لو لم تسلك طريق القتل، لو أبقت على المجرم وحيدًا في ساحات القتال، لو لم تقتل أحدًا ردًّا على ما يرتكبه النظام. النظام ليس بريئًا، وليس نعجةً لا تعرف أساليب البطش، له سجلٌ حافلٌ بقصص التعذيب التي لا تخطر على الخيال، أوراق ماضيه مليئةٌ بالزنازين ورائحة اللحم البشري وسفك الأرواح. هو يقتل من دون حسبان، ما يفعله اليوم في شعبه ليس جديدًا هو مجرد إظهارٍ لما يحدث في الغرف المعتمة والأقبية المخفية تحت أعمدة المباني.
أعرف أنّ لا ثورة حمراء، وأعرف أنّ صاحب الدم لا يمكن أن يهدأ باله إلّا بقتل من أهرق الدماء. لكن أن تصبح الجثث مجرد عدد، وكأنّ لا أرواح كانت تسكنها، وكأنّ لا سبب لوجودها سوى أن تكون وقودًا للثورة، فهذا أمرٌ لا يبشّر بأفقٍ ولا ينذر بعمامة خيرٍ تهطل على البلاد لتغسل كلّ ما مرّت به من أسى ولا إستقرار. الثورة لم تُشعَل لتقتل، ليتحوّل من آمن بها إلى كبش فداء، هذه ليست ثورة، هذه مذبحةٌ يرتكبها الاثنان نظامٌ ومعارضة ولا يذهب ضحيتها إلّا الشعب ومستقبله الذي أضحى مجرد سراب.
النظام يعرف كيف يشوّه الثورة، يصورها كوحشٍ أتى ليبتلع كلّ ما على أرضه. والمعارضة تحوّلها إلى مسخٍ مخيف، يدّمر كلّ ما يراه أمامه. انحرفت الثورة عن مسارها، ارتأت أن تسلك طريق الخداع كما يفعل النظام، مدّت اليد للشيطان، ظنت أنّ العنف قد يسقط الرئيس ويزرع بقيةً من حياة، لكن العنف لا يجر غير العنف، والرغبة بإسقاط عرش الأسد تحولت إلى هدفٍ أساسي بدل أن تكون مجرد انطلاقةٍ لتصحيح المسار.
لماذا تدفعنا الثورة للقول أنّ البقاء تحت رحمة الرئيس الشاب هو أكثر إنسانيةً وحقنًا للخراب. لماذا علينا أن لا نرى إلّا الكوابيس بدلًا من الأحلام. ما حدث البارحة في سوريا من تفجيراتٍ لم يُسفر عنها سوى الأشلاء والخراب لا يفيد الثورة بشيء بل يسرّع من انقسام البلاد. الجيش الحر يتصرّف وكأنّه يحارب في أرضٍ ليست أرضه ويقتل الناس وكأنّهم ليسوا شعبه. والنظام باع الاثنان وفضّل الدفاع عن الرئيس ولو كان الثمن شعبًا مقتولًا وأرضًا ممزقة وبحر دماء.

Advertisements