ليلة القبض على كاشغري

Posted on فبراير 8, 2012

0


تعرّفت بالرجل البارحة، صار أشبه بحديث الساعة، هو صحافي سعودي، أطلق تغريداتٍ على موقع توتير تتناول الرسول واعتبرها البعض إساءة ومسًّا بالذات الإلهية. ثارت عليه الدنيا، بكلّ ما فيها من مثقفين وصحافيين ورجال دين، بعضهم رأى في الأمر كفرًا وبعضهم الآخر رأى فيه حرية. الرجل قدّم اعتذاره واعتبر كل ما صدر عنه من كلام مجرد هلوساتٍ لا تدخل في نطاق إيمانه وعقله. ليأتي الأمر الملكي لاحقًا ويضرب باعتذار الصحافي عرض الحائط ويعتبر الإساءة التي لحقت بالرسول من قبل الرجل خطيئةً لا تغتفر، ويأمر بالقبض عليه وإيداعه بالسجن ومحاكمته بتهمة الكفر والتدنيس.
انشغلت السعودية كلّها بحمزة كاشغري، نست كلّ مشاكلها وتعقيداتها لتلاحق صاحب تغريداتٍ لم يكن يفكّر بعواقب كلامته التي أطلقها، ظنّ أنّ الربيع حلّ في بلاده، فتناول الرسول بطريقةٍ لا تحيطها هالةٌ قدسية.
” في يوم مولدك أقول أني أحببت الثائر فيك، لطالما كان ملهمًا لي، ولم أحب هالات القداسة، لن أصلّي عليك”
” في يوم مولدك أجدك في وجهي أينما اتجهت، أحببت أشياء فيك وكرهت أشياء، ولم أفهم أشياء أخرى”
” في يوم مولدك لن أنحني لك، لن أقبّل يديك، سأصافحك مصافحة الند للند، وأبتسم لك كما تبتسم لي، وأتحدث معك كصديقٍ فحسب، لا أكثر.”
وما لفتني هو العناوين التي تناولت هذه التغريدات، فمنها من اعتبر أنّ تغريدات الكاشغري تتهجم على الرسول الكريم فهل يغضب الوزير.
لم يسأل أحدٌ مثلًا، هل يغضب الرسول، هل ينزعج من ذلك الكلام، هل يرى فيه إهانة لموقعه. وكأنّ محمد لم يكن نبيًا للإنسانية، وكأنّه لم يؤذَ ويُرمى بالأشواك والحجارة، ويُضطهد ويتّهم بالكذب ورغم كل ما مرّ عليه وقف بعد فتح مكّة ليقول لكلّ من عاداه إذهبوا فأنتم الطلقاء، تحرّروا من قيودكم الدنيوية، تحرروا من مراكزكم وسلطانكم، أنا بشرٌ مثلكم أجوع وأعطش وأمشي في الأسواق.
النبي كان عظيمًا لأنّه إنسانّ سار على درب الآلام، لم يستسلم للجاه، لم يرث النبوة، لم يسأل عن مكانة، كان عظيمًا لأنّه عرف معنى الإنسان.
لماذا تزرعون في عقولنا هذه الأفكار، الرسول لن يغضب من هكذا كلام، ربّما يفرح لأننا كنّا ولو لحظة صادقين مع أنفسنا، ربما يريدنا أن نخترق زيف مشاعرنا المتراكمة، أن نكفّ عن الإيمان الموروث، أن نفكّر ونحدثه كصديق، نحن بحاجةٍ إليه وهو المخلّص من عذاباتنا.
قبل أن نقبض على الرجل بتهمة الكلمة وبأنّه مسّ مقداساتنا وزعزع روح الإيمان التي تسكننا، قبل أن نحاكم الرجل بتهمة الخيانة العظمى وإغضاب الذات الإلهية، فلنكن صادقين مع أنفسنا، هل كان الرسول ليغضب من هكذا كلام، هل كان سيرمي من يحدّثه بعفويةٍ خلف القضبان، الرسول لا ينتظر من أحدٍ أن يدافع عنه، لا ينتظر من أحدٍ أن يثبت له عظمته وإنسانيته وخلقه الكريم، الرسول يعرف أنّه عظيم لأنّه استطاع أن ينير ظلمة العصور الحالكة، هو عظيم لأنّه أخذ البشر كلّهم تحت جناحيه لم يفرق بين فقير وغني، بين أسود وأبيض، بين ذكرٍ وأنثى، بين متعلمٍ وأمي إلّا بالتقوى.

Advertisements