لو يموت الرئيس

Posted on فبراير 6, 2012

0


أغمض عينيك، وارمي ما في رأسك من أفكار، وتخيّل لو أنّ بشار الأسد قد مات. هكذا قرر ملاك الموت قطف روحه بعد أنّ أحسّ بتماديه في توزيع الموت والحياة. الرئيس مات، سقط في نعشه رغم رغبته الأبدية بالحياة، لم يطرده أحد، لم تُهن نرجسيته التي أبقته قائمًا لحدّ الآن، لم تكن مؤامرةً سماوية ولم تأتِ بتدّخلٍ خارجي.
تخيل لو أنّ الرئيس مات لمجرد أنّه أمضى ما عليه من سنوات. لن تستمر عملية الحسم التي أعلنها لقلع الثورة من جذورها وتهذيب كل من تجرأ على التواطؤ عليه وعلى النظام. سيكفّ الجيش عن اقتحام المدن كما لو كانت معاقل للأعداء، وسيخرج الناس إلى الشوارع مهللين راقصين كما لو أنّ صخرةً كانت ترزح على صدورهم والآن قد انزاحت دون حساب، لن يكون النصر بيد أحد، وحده القدر من تدّخل ليحسم الصراع. مات الرئيس، وتوقف القتل بغياب الدافع وراء التجزير وسلب الحياة. انهار الحصن المنيع الذي مازال يصارع كافة الجبهات، شعبٌ يغلي، وخارجٌ يمنح مزيدًا من الوقت لتحسين الرهان، ومعارضةٌ أنشأت جيشًا لها ومجلسًا وتحاول الحكم ولو من خارج البلاد.
أغمض عينيك، وتخيّل، لو مات الرئيس، سنفرح جميعًا بالتأكيد، سيزول عبءٌ عن صدورنا سيلوح لنا غدٌ جديد. لو مات الرئيس، لن تطهّر المدن السورية، كما لو كان في الأمر إعادة تمثيل لحمام الدم الذي عمّ حماة. لو مات الرئيس، ستنسى ولو قليلًا صدى الموت وهو يضجّ في عالمنا ويحمل لنا كل يومٍ جثثًا لأطفال. ربما يختفي البلطجية، ويرحل المتآمرون على الرئيس الذي يظنّ بنفسه تسكن الانتصارات. لو مات الرئيس لن نسمع لوعوده المتكررة والملوكة، لن نضطر لتبرير تأييدنا له أو رفضنا لبقائه. لن نطالب بمحاكمة من اقتصّ روحه، ولن تخرج جماعةٌ تحمل ألوية الثأر لدماء الظالم دون المظلومين.
لو مات الرئيس، ستشرق الشمس قليلًا ولو من خلف سحاب الدم المتطاير في الفضاءات. سيعود الأمل بالتغيير. لن تبق الزنازين مغلقةً على قاطنيها، سيظهر المفقودون من جديد، ربما كهياكل عظمية، لكنّهم سيعودون إلى أحضان أمهاتهم اللواتي مللن ذرف الدموع على قبورٍ من هواء. لو مات الرئيس ستتغير الحياة، لن تخنقنا صورته التي كانت تُزرع في الجدران بعد الآن، لن تهيبنا نظرته التي تحاول السيطرة على كافة تحركاتنا، سنضحك من كلام الأخ الكبير، نتذكر مواقفنا في حضرته، نتذكّر ملازمتنا للحائط خوفًا من فروع المخابرات.
لو مات الرئيس ربما يتوقف نهر الشهداء، لن نرى تلك الابتسامات الصفراء التي تخبرنا بالعدد المهول للضحايا. لن نسمع بقصف المستشفيات بحجّة أنّها تأوي جرحى الثورة أولئك المتآمرين على الرئيس والنظام. لو مات الرئيس سنحاول أن نبدأ صفحةً من جديد لا عائلات ديكتاتورية فيها ولا حزب يريدك أن تقتنع بوحدانيته كمخلصٍ لك من مصائب العالم المتآمر كلّه عليك. سنبدأ من جديد، بعيدًا عن آنظار مصوبةٍ وعقولٍ لا تدّبر سوى الخراب.
الرئيس لو مات سيريحنا، سيعلم أنّه أتم مهمته على أكمل واجب. لن يكمل القتل، لن يكمل مخطاطاته الممانعة، سيرحل قبل أن يحرر بلاده من شعبه، لن يكون لديه مزيد من الوقت لتطهير مدنه وقراه، لكنه كما لم يسمع لشعبه آنّاته لم ير الموت قادمًا إليه من خلف أبواب قصره، صامتًا هادئًا لا يحتاج إلى صوت مواسير المدافع، لم يقطع عنه الكهرباء ولا منع عنه الماء، جاءه من خلف ظهره وهو ملهيٌ بتذبيح من يسكن الأرض وبقصف كلّ ما يزعجه أن يراه.
لو يموت الرئيس حقًا، حقًا لو يموت الرئيس.

Advertisements