الثورة لن تموت والمخلوع لن يعود

Posted on فبراير 2, 2012

0


من يرى المسؤولين يتقاتلون على شاشات التلفاز، يتشاجرون ويتدافعون ولو كان بيد أحدهم من سلاحٍ لاستعمله، لن يستغرب تضارب الشعب وسقوط القتلى في مباراةٍ غير بريئةٍ في مصر. وصلنا إلى مكانٍ صارت فيه كلمة الآخر تُطلق صوبنا كرصاصة، لم يعد أحدٌ قادرًا على سماع الرأي برحابة صدرٍ ومن دون صدام. المسؤولون يتضاربون، المثقفون وأصحاب الرأي يتعاركون ويتشادون، والشعب بين هذا وذاك يدفع ثمن الحقن وتجييش النفوس.
الشعب ليس كتلةً متجانسة، فيه المتهور والطائش والأرعن والعاقل والمستفز. هو مزيجٌ متنافرٌ قد ينفجر بشرارة كلمةٍ أو فعل. لا يمكن أن تثق بأفعال الشعب، لا يمكن أن تعتمد على عقله الجماعي الذي قد يقود إلى الخراب. ما حصل في مصر قد يحدث في أي بلدٍ في العالم، ليس سببه الثورة، ولا سقوط مبارك. لا يمكن أن تحمّل الثورة أعباء كل ما يجري على الأرض، فالبقاء تحت رحمة النظام والديكتاتور خوفًا من تزعزع الأمن حجّةٍ واهية.
كفى، كفى كلامًا وتنظير. كفى حديثًا عن مؤامراتٍ خارجية وعن ألاعيب داخلية. كفى هتكًا بحرمة الثورة وشبابها. من قال أنّ الثورة بيضاء، من قال أنّ الحرية ليست يدًا مضرجة بالدماء. هذا ثمن الصمت والاستسلام، لا شيء يؤخذ ببساطة، لا حقّ يعود من دون قتل. هذه هي الثورة، طائشةٌ رعناء، تستفزها كلمةٌ تصدر من فم بلطجي، تصيبها لوثةٌ من شعارٍ يحمله أحدهم يحمّل الثورة عبأ ما حدث.
لا أريد أن أتمنى عودة أحد، الأمن كان ممسوكًا في زمن مبارك، لأنّ الشعب كان مدهوس، لا يستطيع أن يحرّك ساكنًا، لا يقدر أن يصرخ أو يعبّر عن أفكاره. الألسنة التي تترحم على عهد مبارك أو على عهد أي ديكتاتورٍ آخر فلتصمت. ما حدث ليس سليمًا ولا صحيحًا لكنه حدث، ربما تكون مؤامرةٌ من العسكر الذي رفض التدخل وسمح لمن هبّ ودب بالدخول إلى الاستاد من دون أي تفتيش، العسكر الذي وقف جانبًا والشعب من حوله يقتل، ولم يحرك ساكنًا. ربما هي مؤامرة لاتهام الثورة بسوء الأوضاع، وتردي الأحوال، وعدم القدرة على تسلم زمام الأمور. ربما لإنهائها وجعلها تستلم وترضخ لواقع الأمور، مجلس عسكري يشد الخناق، يتحكم بالبلاد ومن عليها.
الثورة حمراء، لم يقل أحدٌ أنّ لا دماء تسقط فيها، الثورة تحتاج دماءً لتسقيها، ما حصل قد حصل، هي حادثةٌ قد تحدث في أي مكانٍ من العالم، العقل الجماعي واختلاط الأمور ببعضها والهلع والتدافع وغياب التنظيم الأمني قد يدفع بالأمور إلى الأسوء.
من يحاول أن يسخر من الثورة المصرية ويتحسّر على عهد مبارك، ليس بإنسان. من يدافع عن الفرعون والقاتل والديكتاتور لا يفهم الأمور، لا يعرف أن مجرد التحرك لإسقاط الظالم أمرٌ عظيم. الضحايا الذين سقطوا البارحة شهداء الثورة التي يحاول الجميع قتلها.
الثورة ليس فعلًا منظمًا ولا مسالمًا قد تحدث فيها الأخطاء. وأبشع ما يحصل لها يوم تستغلّ تلك الهفوات لتتحول إلى خنجرٍ يطعن بظهرها. الكل يتآمر على الثورة، مرّةً يهددون بالاقتصاد، وبتأثير الوضع على خزينة البلاد. وكأنّ لا فقراء كانوا في عهد المخلوع، ومرّةً يتحدثون عن الأمن الهشّ والمفقود وهم من يزعزعونه ويهيّجون الناس ويدفعونهم إلى التقاتل.
هذه أمورٌ قد تحصل، المهم الآن أن يصمد الشباب الذين يرغب المجلس العسكري لو يأد عليهم النار ويحرقهم. أن لا يكفّوا عن المطالبة بأن يأخذ الجيش موقعه الطبيعي كجناحٍ للدولة لا دولةً قائمةً بحد ذاتها.
الرحمة للشهداء والسلامة والاستقرار لمصر.

Advertisements