كتير عنصرية… كتير سلبي

Posted on فبراير 2, 2012

0


ربّما قرأتها في كتاب ” المتلاعبون بالعقول”، برامج الضحك والتسلية تحدّد للمجتمع مهرجّه، تسلب من إنسانٍ وجوده، تأخذ منه الحقّ بحياةٍ لائقة تضمنها جميع شرائع الأرض والسماء، ليصبح مجرد نكتةٍ عابرةٍ سمجة، تحاول إجبارنا على القهقهة. برامج الضحك تقتل ضحاياها بسلاسة، لا أحد يحاسبها، لا قانون يلاحقها بتهمة القدح والذم، فهي هنا لتضحكنا، ليس شيئًا جديًا ما تقدّمه، مجرد هزل. كاريكاتورٌ متحركٌ يزرع لك أفكارًا لا تزول بسهولة، تختصر جماعةً أو شعبًا بأكمله.
ليست مضحكة تلك السكيتشات التي طالعناها اليوم على صفحات الفايسبوك. ليس مضحكًا سلب البشر إنسانيتهم، حقّهم الطبيعي بالاحترام. ليس مضحكًا جعل كلّ عاملةٍ أجنبية، سريلنكية، لا بدّ أن جسدها أرض مشاع، ليس مضحكًا التوصيفات الجارحة التي تتناولهم وكأنّهم من طبقةٍ دنيا لا تحقّ لهم أسباب الحياة. ليس مضحكًا تكريس الصورة العامة في ذهن المجتمع وكأنّه حقٌّ طبيعي، فيصبح الضرب شرعي، والتعنيف بالكلام اعتيادي، والتمييز أمرٌ عادي.
في الاسكيتش الأول الذي لا يثير الضحك بتاتًا يريد الزوجين استقدام عاملةً أجنبية فيطرحون مواصفاتها على صاحب المكتب بطريقةٍ شنيعة، يشّرحونها بالمبضع العنصري اللبناني، يصبح معه كل أجنبيٍ أو أجنبية متهمًا أولًا للدعارة والاغتصاب والسرقة والوساخة والقرف.
وكأنّ البلد الذي تعجّ بناسه المهاجر وبلاد الاغتراب ليس أجنبيًا هناك، وكأنّه لا يعرف الغربة، وكأنّه لم ينل نظراته من الريبة والشك، وكأنّه يقبل أن يعامله أحدٌ بالطريقة التي يعامل بها من يأتي إلى أرضه من الطالبين بلقمة عيش.
هذا البلد الذي يكاد ينتحر أمام سائحٍ أوروبيٍ أو أميركي، ويكاد ينبطح أمام سيارةٍ تحمل لوحةً سعودية، لا يحترم أجنبيًا أتى من شرق آسيا أو من جنوب أفريقيا ليعمل كما في أيّ بلد من بلاد العالم. هذا البلد الذي لا تفرق معه أجساد الأموات من التابعية الفليبينية أو السودانية لكنّه يهبّ بكبيره وصغيره لحفنةٍ من أوروبيين لا تُعرف مخطاطاتهم وأسباب قدومهم.
هذا البلد قاسٍ لا يرحم، قلوب أهله صقيعٌ لا تعرف دفء الحب، أجسادهم لا تعرف معنى الإنسانية لا تركب جنبًا إلى جنبٍ مع بشرٍ من تابعية، تخاف من أن تلتقط عدوى قبول الآخر، تظن أنّ الأمر مضحكًا إن ألقت نكاتًا عن كلّ أجنبي وطئ أرضها، تظن أنّها أفلحت إن عاملتهم بازدراء، لكنّها لا تدري أنّ السحر قد ينقلب على الساحر وأنّ من سلبتهم إنسانيتهم لن يحملوا في قلوبهم الغفران، وأنّ كراهيتها تلك لن تنبت إلى حقدًا يملأ قلبها وقلوب أجيالٍ بعدها لا تقدر على تقبّل المختلف ولو كان في عقر دارها.
الفيديو الثاني الذي شاهدته يتحدّث عن توطين الفلسطينين في لبنان، وعن الحقوق المزمع أعطائهم لها. فمثلًا كتير سلبي الفلسطيني يملك الحق بتملك شقة في لبنان، في وقت اللبناني لا يقدر أن يحلم بمجرد حيطان. لماذا هذه السلبية اتجاه الفلسطينيين، لماذا هذا الكلام المعيب. من ينظر إلى مخيمات اللجوء يرى الوضع المزري للبشر الذين يسكنون هناك. لا معايير سليمة وصحية، مجرد تعمير عشوائي، لا تدخله يد الإنماء. الوضع مزري، لا مكان فيه للعمل أو للسكن أو للعيش بطرقةٍ حضارية. لست مع التوطين لكن من المعيب أن تتشارك تلك المناطق بصفةٍ واحدة هي كونها أحزمة بؤس. بالنهاية، كل من يعيش على سطح الأرض يستحق الحياة، من مسكنٍ لائق وملبسٍ وعمل، لبنانيًا كان أو فلسطينيًا أو أجنبي، ترسيخ فكرة أنّ تحسين وضع فريق من الفرقاء سيؤدي إلى طغيانه على الآخرين وسلبهم ما تبقّى من حقوقهم هي حجّةٌ واهية، لا يقبلها عقلٌ سليم.
لن يقبل لبنانيٌ أن يُضرب أو يُحرم من الطعام أو توّجه له الإهانات، لن يقبل أن يحرم من ممارسة عمله خوفًا من الاستيلاء على فرص السكان الأصليين في بلاد المهجر. إذن لماذا يقبل أن يمارس كلّ تلك الأفعال، هل الأمر عقدة نقص ورغبة بإبراز أنفسنا عن الآخرين بوصفنا صنفًا مميزًا من البشر، بمعنى آخر “ًخلقنا وكسر القالب”، أم أنها رغبة بتنفيس ما نكبته في نفوسنا من خوفٍ وهلعٍ يتملكنا من كل آخر.
هذا ليس برنامج ضحك أو تسلية، هذا درسٌ موّجهٌ إلى كل لا وعي لبناني، يزرع في عقله أفكارًا غريبة عن الخادمة العاهرة التي تسرق وتؤذي الأطفال ولا تسمع ما يُطلب منها، عن الفلسطيني الذي يبحث عن وطنٍ بعد أن طرد من أرضه واليوم وجد في بلادنا ما يريده، هذه البرامج تخبرنا عن العدو الذي اختارته لنا، ومن علينا أن نرمي عليه حقدنا.
ليس إسرائيل بل الفلسطيني، ليس أرباب العمل بل الأجانب، وليس العملاء بل حملة مقاطعي الكيان الصهيوني.
كتير سلبي إنّو الأمن العام يمنع فيلم حب عادي بحجة تهديد السلم الأهلي والاستقرار وفي تلفزيون لبناني صار بوق للعمالة والعنصرية والتقسيم وما حدا بيفتح تمو بحجّة حرية الإعلام. يلعن هيك إعلام.

Advertisements