هكذا تكبر الضحية

Posted on يناير 29, 2012

0


قبل يومين كانت ذكرى الهولوكوست، المحرقة التي تبتز فيها إسرائيل الدول الأوروبية قاطبةً. تجعلهم يكفّرون عن خطايا أجدادهم بكمٍّ من التأييدات والدعم المادي والمعنوي. إسرائيل اشترت عقول العالم بصورٍ نسجتها من خيالها لغرف غازٍ ضمّت يهود آوروبا. معاناةٌ قد لا تختلف كثيرًا عن المجازر التي ارتكبها المستعمرون بحقّ الهنود الحمر أو الأميركيين بحقّ السود، أو الأتراك بحقّ الأرمن، أو ما فعله الروس في الشيشان، أو و أو. عالمنا مليءٌ بالدماء، وبالمذابح التي ينفذّها المنتصر القوي بحق الأعزل المهزوم. عالمنا يضجّ بصور الرعب التي يهبط عليها الموت بصمتٍ وسكون. القتل هو القتل. لا فرق في الضحايا. لا فرق بين أطفال قانا في جنوب لبنان أو بين أطفال مدرسة بيسلان.
قبل يومين كانت الهولوكوست التي يحيي فيها اليهود والصهاينة ذكرى معسكرات الاعتقال وغرف الغاز والقتل الجماعي. يوحون للعالم كلّه أنّهم الشعب المسكين المضطهد، الذي قاسى الكثير من العذابات. عاش في الخوف وترعرع في ظل الذل والامتهان. الشعب الذي عانى الكثير من الاحتقار والعنصرية والتمييز. والآن على الإنسانية جمعاء أن تدفع ثمن ما ارتكبته ذات يومٍ مضى بحقّه وحقّ أهله مجتمعين.
رغم كمّ الأعوام التي مرت، ما تزال إسرائيل تمتصّ الدم اليهودي الذي شربته أوروبا في حربها العالمية الثانية. تتكلم عن معانتها وكأنّها الإبادة الوحيدة التي مرّت على وجه التاريخ، كم من شعوبٍ ارتكبت بحقها المجازر، كم من شعوبٍ قتلت في العراء ولم يسمع بها أحد، كم من إباداتٍ رأينا مقابرها الجماعية بأم أعيننا. إسرائيل تحاول أن تثبت أنها الوحيدة في هذا العالم التي قاست ظروف القتل والتهجير. وكأنّ اقتلاع شعبٍ سالمٍ من أرضه حقّ من حقوقها، وكأنّ تهجير جزءٍ منه وقتل الجزء الآخر أمرٌ طبيعي.
قبل يومين كانت ذكرى الهولوكوست التي تفاخر بها إسرائيل، وتحييها عالميًا بكل ما تمتلك من دموعٍ وآلام. قبل يومين قدّمت النرويج اعتذارها الرسمي عن المشاركة في الإبادة التي حصلت لليهود في أوروبا، عن جنودها الذين أضحوا اليوم هياكل عظمية ، وعن سياراتها التي أعدّت لنقل المعتقلين، قدمت اعتذارها الرسمي ومعه تعويضاتٌ بحجم الملايين للضحايا وكل من تأذى ذات يومٍ على يديها.
هذا العالم قرر عن سابق إصرار وتصميم أن لا يرى، فقأ عينيه ومضى بإصدار مواقفه وتأييداته وكأنّ لا شيء يجري على ساحته. لا ينظر إلى حجم القتل الإسرائيلي، فذاك باعتقاده دفاعٌ واجبٌ عن النفس. لا ينظر إلى القتلى في العراق ولا في أفغانستان، ولا إلى المعتقلات العاجّة بالأبرياء، ولا إلى كيل مليارٍ من البشر بمكيال الإرهاب. هذا العالم لا يرى ولا يسمع الأنين والعذابات. معسكرات الاعتقال التي يبتزهم بها اليهود لم تغلق، لكن اسمها وموقعها تبدّل. غرف الغاز والقتل الجماعي والذل والتحقير والإهانة كلّها ما زالت لكن مع تبدّل الضحية بالجلاد واستيراد ضحيةٍ أخرى.
ما مارسه الأوروبيون على اليهود، يمارسه الصهاينة على الفلسطينين والعرب وكأنٌها حلقةٌ من الصراع مفرغة. هكذا تكبر الضحية لتصبح وحشًا قاسيًا،
هكذا تنطبع في النفوس كلّ أشكال التحقير والإهانة لتترسخ وتتعمق في العقل الجماعي الذي يحدد تصرفات شعبٍ بكامله. هكذا نصنع القاتل والمجرم، نعبّأ النفوس بالحقد، نملأها بالكراهية لتنفجر في وجه أول من تبدو عليه سمات الضحية.

Advertisements