لم يعد الموت يثير فينا الإعجاب

Posted on يناير 28, 2012

0


أتصدّق، لم يعد الموت يثير إعجابنا. أنا التي قد أضجّ بالبكاء على فصلٍ روائيٍّ أعدت إحياء ممثليه من خيالي، أو على مشهدٍ سينمائيٍّ يموت فيه البطل لا أقدر أن أذرف دمعةً واحدةً على أطفال سوريا. وأنا أضع ابني في حضني، أفكّر، بأيّ شاكلةٍ سيأتي الموت إليه في البلاد التي تعرف تمامًا كيف تقامر بحياتك وحياة كل الأحياء على ظهرها. وأنا أحضنه، وأشدّ عليه خوفًا من أن أفقده، أقول، ابني طفلٌ ككلّ أطفال العالم، ابني طفلٌ من سوريا ملّ حديث أهله عن سوء الأوضاع الراهنة وخرج ليلعب في الشارع مع رصاصة قنّاص. ابني طفلٌ من غزّة وكلّ فلسطين يرشق الدبابة بالحجارة فتقحمه تحت سلاسلها وتتهمه بالتخريب. ابني طفلٌ من البحرين تلاشى مع أخبار بلاده ذرّاتٍ في الهواء. ابني طفلٌ من اليمن، من ليبيا، من مصر، من تونس. ابني طفلٌ من كلّ أرضٍ عربيةٍ لم تعد تطيق الذل. ابني طفلٌ من لبنان، مات برصاصةٍ طائشةٍ في صراعاتٍ أهلية، مات مع أطفال قانا والمنصوري، تبخّر مع منزلٍ دكّته طائرةٌ عسكريةٌ إسرائيلية على عجلٍ كي تلحق بما تبقّى لها من أهدافٍ على لائحةٍ تطول صنعتها يد العمالة دون محاسبة أو رقيب. ابني كلّ هؤلاء الذين لم أستطع أن أذرف دمعةً ولو واحدةً عليهم.
هل قسى قلبي. لا. لكن خبر الموت لم يعد يثير فيّ الإعجاب كخبر البقاء على قيد الحياة. أطفالًا كانوا أم نساء أم عجائز. اكتسى الموت حلّة واحدة. يقدّم نفسه دون عناء. قد يحمل أعذار وتبريرات. لم نكن نعلم، دروع بشرية، وقود الثورة، كلّها أجوبةٌ لسؤال واحد هو لماذا يُقتل الأبرياء. تعوّدنا على الأمر، صور الأطفال النائمين إلى الأبد، الحالمين بمستقبلٍ كان يُصنع لهم واليوم صاروا من ضحايا حاضره. صور الأطفال الصامتين الممددين دون حراك. نلتقط ثباتهم بصورةٍ فتوغرافيةٍ سيطويها العالم الافتراضي تمامًا كما فعل بكلّ ضحاياه. تطفو على سطحه لأيامٍ ثمّ تغرق في طوفان الأحداث. نطوي الصورة اليوم وغدًا تأتينا أخرى بجثثٍ جديدة بموتٍ جديد وبأسباب لا تختلف كثيرًا عمّا سبقها.
أصعب من القتل من يدافع عن القاتل، أصعب من القتل تبرير فعل القتل. المجرم واحد، من ينفّذ ومن يسمح بالتنفيذ. من يسلب الروح ومن يقف مكتوف الأيدي علّه يستفيد من المتاجرة بأرواح من ماتوا على يد الآخر.
في الحرب الأخيرة على لبنان، اكتشفت أشياء. اكتشفت أنّ الوطن قد يقسو عليك أكثر من عدوّك، وأنّ طعنته أقوى بكثير من أيّ سلاحٍ يوّجه صوبك. وأنّ كل طرفٍ هو ندٌّ للآخر، لا يسمح له بتدنيس أرضه. كلٌ يعيش ضمن جماعته، يعتقد تحركات الآخر اعتداءاتٌ تصبّ في مواجهته. كم كرهت الحرب، والموت، والابتسامات الصفراء. كم كرهت استمرار الآخرين بحياتهم الطبيعية كما لو أنّ شيئًا لا يجري على الأرض مادامت بعيدةً عن خط النار.
الموت واحد لكن الأموات يميّزون. عنصرية اتجاه الأموات. عنصريةٌ تصنّف حتى الجثث وفقًا لترتيب خاص. عنصريةٌ تجعل من الموت مصيرًا محتومًا على البعض يستحقونه ومكتوبٌ عليهم، وللآخرين خطيئةٌ لا تغتفر. عنصريةٌ تجعل الأموات تارةً عددًا ورقمًا وطورًا مقدّسين وأخيار. الموت واحد، لكن الأموات يختلفون، قد تموت ويموت أطفالك وأهلك دون أن يثير الأمر مشاعر الإنسانية جمعاء. وقد يموت كلبك وترى الأمّة قد هبّت مرّة واحدةً للمشاركة في تشييعه إلى دار البقاء.
أطفالٌ ماتوا في سوريا، مجزرةٌ وقعت هناك، ومازال البعض قادرًا على المدافعة عن النظام. مازال بالإمكان تبرير القتل والهمجية الحاصلة من قبل كل الأطراف. الأعداد تتزايد والموت يحصد من دون أن يفرّق بالأشكال. كبارًا وصغار، يمدّدهم الموت لنلتقط لهم صورةً أخيرةً تحفظ في درجٍ رقمي يعجّ بالأحداث.

Advertisements