أتعرفين الحب يا لارا، إلى لارا فابيان

Posted on يناير 28, 2012

0


أتعرفين الحبّ يا لارا ذلك الذي يبعث بصواريخ موّقعةً من أطفالهم إلى أطفالنا. أتعرفين الحبّ يا لارا، ذلك الذي يقتل من دون أن يميّز بين البشر والحجر، يرمي بصواريخه الذكية على البلاد فلا تصيب إلّا كتلًا من لحمٍ ودم. أتعرفين الحب يا لارا، ذلك الذي يولد مع الموت، ويترعرع في ظلّ القتل، ويخبرك أنّ كلّ دقيقةٍ يمكن أن تكون آخر لحظة. أتعرفين الحب يا لارا، ذاك الذي يجمع أمًّا بولدٍ مات تحت الأنقاض، أو زوجةً بزوجٍ غاب خلف غياهب النسيان، أو طفلٍ بحلمٍ لأبٍ يهبط ذات يومٍ من السماء. أتعرفين الحب يا لارا، ذلك الذي أخذ العائلات دفعةً واحدة، لم يُبقِ منهم غير جلدة رأسٍ ويدٍ لطفلٍ ورداءٍ كان يستر لحم أمٍّ غطّت بجسدها رضيعها علّها تنقذه من موتٍ محتّم، فذابت هي وهو في قلب الأرض.
أتعرفين الحب يا لارا، ذلك الذي يجعلنا قادرين على الاستمرار، ذاك الذي يدعونا إلى تشييد بيتٍ في وجه فوهة الدبابات. ذاك الذي يخبرنا أن علينا أن نمضي قدمًا، أن نهيل التراب على أحبابنا ونكمل المسير بكلّ قوة وعنفوان.
نحن لا نحب الحرب، ولسنا مصاصي دماء، نحلم بالمستقبل كما أي بشريّ على هذا الأرض، نملك من العزيمة ما يجعلنا ننفض الغبار عن ثيابنا بعد غارةٍ جويةٍ لنقوم ونجمع الحجارة من جديد ونبدأ بالبناء. لا نصدّر ثقافة الموت، بل من دمنا نبتت ثقافة الحياة.
الحب لا يحتاج لأن تغني له، هو ترنيمةٌ في النفوس الأبية، لا يحتاج لموسيقاك وصوتك لينمو في قلوبنا. الحب لا يعرف الكلام هو صامتٌ عنيدٌ يحشرج في أرواحنا. الحب هو رفضٌ لكلّ الأفعال الهمجية، هو شعورٌ دافئٌ يطمئنك أنّ الأمور ستكون بخير، أنّ الغد لا بدّ أفضل. الحب ليس فعلًا شاملًا أحاديًا، لا يمكن أن يجمع القاتل والمقتول بين أحضانه، لا يمكن أن يجمع في البيت الواحد المجرم الجلّاد مع الضحية.
من يريدك في لبنان يتغنى بحضارة زائفة، وبثقافةٍ ليست سوى جيفةٍ نتنة رماها أحدهم على قارعة طريق التاريخ ولم يجد من يدٍ تنتشلها سوى تلك الأيدي. ثقافةٌ تعرف الفرق بين الإنسان والإنسان، تصنّف وفقًا لكمٍّ ونوع، ترى في الآخر فزّاعةً، ترى في الآخر وحشًا، عائقًا أمام درب كيانٍ أوحد. هي نفس تلك الحضارة التي حزّت الأعناق في صبرا وشاتيلا، نفس الثقافة التي مدّت اليد للشيطان للوصول إلى مبتغاها، نفس اللسان الذي يلعلع طول النهار بضرورة إسقاط السلاح.
هل تعرفين الحب يا لارا، نحن نعرفه أكثر منك، خبرناه في نظرات العيون العدائية، خبرناه في مدرسةٍ حضنتنا ذات حربٍ بعيدًا عن بيوتنا، خبرناه في سلاح مقاوم، خبرناه في رسومات طفلٍ يلوّن علمًا لوطنه زُرع في موقعٍ اقتحمه شباب من بلاده بعد أن كان موطئًا لعدوّه.
أنت لا تعرفين الحب. لو عرفتيه لما غنيت للكيان الغاصب، لما احتفلت بنكبتنا ونكستنا، لما رقصت على دمائنا. أنت لا تعرفين الحب، لو عرفتيه لما تباكيت واتهمت من رفضك بالترهيب والتهديد. لا نريدك أن تغني للحب في بلادنا، لا نريدك أن تطئي بقدميك مطارًا كان أول ما قصف في بُنانا.
نكره أنّ حضورك بات قضية، نكره أنّ غنائك صار يشغلنا، نكره اقتسامنا حول مجيئك، نكره اضطرارنا للدفاع عن وجوب منعك. نكره ذلك الكلام الذي يتهم من يقاوم بالتخلف. وكأنّ غنائك مقياسٌ للتقدم والحضارة.
لارا فابيان حضورك غير مرحبٍ به، وغنائك وصمة عار تضاف إلى سجل الوطن، وصوتك نعيقٌ لا يحمل سوى نغمة الموت. لارا فابيان مكانك ليس هنا، وحفلتك ليسن سوى جنازة لتأبين أبسط ما يمكن أن نقدّمه للقضية. أرى حفلك كحلقة موتٍ ترقص فيها كل قطرة دماء نزفت من عنق طفل.
إن كان احتجاجي فعلٌ إرهابي، إن كان رفضي غير حضاري، فأنا أكبر إرهابية وما زلت أسكن العصر الجليدي.

Advertisements