خمسة بالمئة فقط

Posted on يناير 25, 2012

0


خمسة بالمئة فقط من الشعب المصري المؤلف من حوالي الثمانين مليون هم من شاركوا بفعالية بالثورة.
خمسة بالمئة آمنوا بإمكانية إسقاط الفرعون وقلب النظام للحؤول دون تحوله إلى ملكية وراثية.
خمسئة بالمئة رفضوا الإذعان للتهديد والضرب والإهانة والاعتداء، تحدّوا قهر الشرطة بالعنفوان، صدورهم كانت درعًا أمام الفوضى التي حاول إشعالها النظام.
خمسة بالمئة تحملوا الاستهزاء، كانوا مجرد أطفالٍ يلعبون بالنار في عيون الرئيس وحاشيته، تحدّوا الداخل والخارج، الداخل الذي يرميهم بتهم المؤمراة والعبث بأمن البلاد، والخارج الذي يحاول تحجيم ثورتهم وجعلها مناسبة لديموقراطيته الموعودة.
خمسة بالمئة عرفوا أنّ الحقّ لا يؤخذ إلّا بالقوة، وأنّ الديكتاتور يزداد جبروتً وطغيانًا بالصمت. خمسة بالمئة امتلكوا حناجر للصراخ والهتافات التي هزّت ميدان التحرير ومدن مصر قاطبةً. خمسة بالمئة اجتمعوا تحت خيمةٍ واحدة، في ظلّ بردٍ قارس، كانوا مصريين فقط لا إسلاميين ولا أقباط، اجتمعوا تحت سماءٍ واحدة، يأكلون من الصحن نفسه، يغمّسون الخبز نفسه، لأيامٍ طويلة زالت الحواجز والمخاوف، كانوا يصنعون شيئًا عظيمًا، لم ينتظروا من أحدٍ دعمًا أو إعاشة. لم يرفعوا السلاح، ولا أطلقوا الرصاص. كم كانت ثورتهم جميلة. تحدّوا سيارات الأمن المجنونة، تحدّوا حوافر الإبل، كانوا هناك، ظلّوا هناك، تحت الشمس وتحت المطر، حتى أعلن الرئيس نفسه سقوطه.
خمسة بالمئة من الشعب المصري أسقطوا النظام، خمسة بالمئة يرفضون استمرار حكم العسكر، خمسة بالمئة مايزالون مصّرين على استمرار ثورتهم حتى النهاية، خمسة بالمئة سحلوا في الشوارع واعتدى عليهم جند الطنطاوي دون حشمةٍ أو رحمة. خمسة بالمئة يحملون أرواحهم على أكفّهم ويرفضون الرضوخ لمن يحاول قتل الثورة، خمسة بالمئة يسكنهم الحلم الجميل بثورةٍ ترد لهم ثمن قطرات الدماءالتي غصّت بها الشوارع.
العسكر يخاف من أربع مليون نسمة يذوبون في ثمانين مليون أخرى، أربع مليون مواطن مصري، يعرفون ماذا يريدون، يدركون أنّ مهمتهم لم تنتهي، وأنّ هنالك من يحاول السطو على كل جهودهم، ويسعى إلى طمر أحلامهم. خمسة بالمئة فقط من الثمانين مليون، ما زالوا يرفضون حكم العسكر كما رفضوا قبله حكم مبارك، يرفضون أن تتحول الثورة إلى مهزلةٍ أخرى، يرفضون أن تسقط الفرصة الذهبية التي منحها لهم التاريخ في قعر المصالح والتجاذبات السياسية.
العسكر يهابهم، يعرف أنّهم قادرون، يدرك أنهم أقوى من أي سلاحٍ يوجهوه إلى صدورهم، العسكر يخافهم، يخاف من إصرارهم، من أصواتهم، من صبرهم الذي لا ينتهي. لم يعد يهابون شيئًا، لا تهديدًا بالكرامة أو بالشرف، الثورة صارت مذهبهم والحرية هي دينهم.
ماذا لو أنّ الباقون من الشعب المصري قرروا القيام، ماذا لو أنّ الخمسة وتسعون مليون نزلوا اليوم إلى الساحات والميادين، في كل مصر في مدنها وقراها وصعيدها. لو أنّهم كلّهم عرفوا حقيقة الأمور، اكتشفوا أن سقوط الرئيس لا يعني نهاية النظام، ماذا لو أنّهم هتفوا جميعًا بصوتٍ واحد يسقط يسقط حكم العسكر. لن يحتاج الطنطاوي عندها للظهور على شاشات التلفاز ليذّكر بأنّ مصر لا تعيش حالة ً طارئة، بل ربّما سيجمع أغراضه ويمضي إلى منفى كان يعرف منذ أول الطريق أنّه ينتظره.
مصر كلّ عامٍ وثورتك بخير، تكبر وتكبر، لتنضج، فلا تقع في مكيدة فرعونٍ آخر يلبس لك ثوبًا تظنّنين أنّك تعرفينه.

Advertisements