هو فقط ليس شعبًا

Posted on يناير 24, 2012

0


شيءٌ غريب، لا تفسير علمي له ولا استنتاجات منطقية. كلّ الشعوب من حولنا خرجت عن طورها وركبت أمواج الثورة إلّا الشعب العظيم. كلّ الشعوب من حولنا كانت لديها ما نحلم الآن وفي القرن الواحد والعشرين به. تيارٌ كهربائي بلا تقنين ولا غياب لساعات طويلة، وقودٌ رخيص، رغيفٌ من الخبز وقلم رصاص نكتب به على دفاتر مدرسية توّزع مجانًا دون منّةٍ أو عطاءٍ من أحد. شيءٌ غريب، يجعلك تعتقد أنّ الشعب الجالس على تلك الأرض هو شعبٌ جبّار يستقوي على الظلام بإشعال شمعة، يتدّفأ بأنفاسه اللاهثة، لا يحمّل أحدًا ملامة ما يحدث له، يعيش لأنّ عليه أن يستمر، رغم حجم المآزق التي تعترض مسيرته.
شيءٌ مريب، هل يمكن لشعبٍ أن يصل لهذه المرحلة من الصبر والقدرة على التحمّل، وكأنّ لا شيء يجري في مناطقه، تستمر حياته عاديةً طبيعية ما دامت الشمس تشرق كلّ يومٍ من جديد. هل يمكن لهذا الشعب أن يستمر في تحمل حكّامه كمرضٍ عضال لا شفاء منه إلّا بالرحيل.
لا تصدّقوا، هذا الشعب ليس جبّارًا ولا قويًا ولا قادرًا. هو فقط ليس شعبًا. مجرد بيوتات متجاورة، مناطق ترتبط ببعضها بطريقٍ قد يُقطع في أيّ لحظة. هذا الشعب ليس يدًا واحدة، هو جماعاتٌ وكنتوناتٌ متفرقة، كلّ منطقةٍ لا تنظر إلى أختها، أهلًا بك في الدويلات التي تتربع على سطح الدولة، لا شعور بالانتماء بينها ولا بالوحدة في العذابات.
المنطقة المنكوبة وحدها من تستغيث، المنطقة المنكوبة عضو مستأصلٌ من جسد الوطن، تستشفي لوحدها، لا يمد لها أحدٌ يدًا بل يسعفونها بالكلام المتملق دومًا. المنطقة المنكوبة مفصولة عن باقي المناطق، لا شيء يجمع بينهم، لا إحساسٌ داخلي بالنقمة ولا رغبةٌ بالثورة على سوء الأوضاع.
لا شعب على هذه الأرض، من يعيش عليها مجرد خيالات، أو ربما حفنةٌ من الأموات، لم تعد تعنيهم الحياة، كل شيءٍ صار أقل من اعتيادي، الموت والقتل والهدم والانهيارات. لا شيء يجمعهم على هذه الأرض غير الأرض نفسها وسوء تدبير الأقدار.
من يسري في بيوتهم التيار الكهربائي أو يملكون عملًا لائقًا يسكتون به تعب العمر لا ينظرون إلى من دونهم. لا يأمنون بالدولة القاسية التي تحرم ناسها من خدماتٍ هم ينتفعون بها. لا يصدّقون أناسًا لا يجدون ما يسدّون به رمق الجوع، يرفضون الخروج من دفء منازلهم إلى برد الشوارع القارس لأنّ حثالة الشعب ترغب بالاحتجاج على سوء الوضع، يلومون كلّ من تحرك ضدّ الدولة، يلومون من يقطع الطرقات بالإطارات المحروقة لأنّ في الأمر ضررٌ على البيئة، الإنسان في ذاك الوطن لا يحيا فكيف بالشجر والطبيعة.
شيء غريبٌ، رغم كلّ ما يحدث لم تعلن الثورة، لم يخرج أحدٌ كالمجنون من بيته، لم يفقد أيٌ منّا زمام السيطرة، الوطن غارقٌ في ظلامه، ما زلنا قادرين على قولها وببساطة من يخلد إلى النوم بعد ساعةٍ بسلامٍ واطمئنان. لا نجد فعلًا يهزّ المناطق بمن فيها، يوقظ الدولة والشعب معًا، يخلّصهما من الخدر المستمر، من السباحة في عالم الأحلام إلى أجلٍ مستمر.
الشعب في الوطن ليس واحد لا انتماء يجمعه ولا رغبة بالعيش المشترك. كلّ من يحقّق مصلحته في منطقته لا يحرك ساكنًا. يتّهم كلّ صوتٍ يخالفه بزعزعة الأمن واللعب على وتر الاستقرار. لا شعب في الوطن واحد يخبرك أنّ الأمور ستكون بخير. وحده الشعب من يُباع ويشترى، من يسكت ويرضى، من يطأطأ الرأس لا خوفًا ولا رهبًا بل بلهًا.
شيءٌ غريب، لأنّ الشعب لا يريد الحياة، ولا ينتظر من القدر أن يستجيب له. هو يعيش في فقاعة هواء، لا يعرف إلى أين توصله أو متى تتلاشى بعيدًا في الفضاءات. هذا الشعب ليس مغامرًا ولا مقامرًا ولا مندفعًا ولا ثوريًا، استسلم لقدره دون عناء. نزعوا الرغبة منه، انتزعوا أيّ شيءٍ يحثّه على التغيير، هو هكذا وسيبقى هكذا إلى أبد الآبدين.
عشتم وعاشت المناطق اللبنانية الأبية التي ترفض الدخول في لعبة الثورات والتغيير. هي أرقى وأرفع وأسمى من أن تخرج بشبّانها وشيبها إلى الطريق.

Advertisements