السعودية غير…

Posted on يناير 24, 2012

1


أشتم رائحة تغيير. هنالك نساءٌ في المحال يبعن قبل أن يكنّ المشترين، هنالك نساءٌ يعملن كمحاسبات في التعاونيات الكبرى، وزير العمل السعودي أمهل محال المستلزمات النسائية وتلك التي تبيع مستحضرات التجميل بتوظيف طاقمٍ نسائي بالكامل خلال مدة قد لا تتجاوز الستة أشهر.
الهيئة الموكلة بالحفاظ على الصورة الشرعية للمجتمع السعودي رفضت هذه الإجراءات، واعتبرت تلك الخطوات دفعًا نحو امتهان المرأة السعودية بكشفها أمام الاختلاط، لكن أحدًا لم يسمع واستمر العمل بالمشروع الحائز على مباركة ملكية.
كلّ الأمور توحي بأنّ تغييرًا سيعم السعودية، لن يظهر فجأة لكن إشاراته بدأت بالبروز. البطالة التي كدّست النساء في المنازل، وسدّت أبواب العمل إلّا من وظيفة التعليم التي فاضت بحجم المنتسبين إليها. تغير ظروف المعيشة وازدياد المطالب التي دفعت اليد الأخرى المختبئة خلف الجدران بالخروج لمساعدة زوجها بالمصروف المنزلي.
كلّها دلالاتٌ على أنّ أسوار المحافظة تهبط رويدًا رويدًا والرغبة في المشاركة الفعالة تدفع الجميع لسلوك درب العمل. ١٨ ألف امرأة سعودية تقدمن بطلبات التوظيف لدى شركات الملابس والمستحضرات العالمية، ١٨ ألف امرأة قررن كسر القضبان التي فرضت عليهن طوال حياتهن ليثبتن أنّ المجتمع لا يمكن أن يقوم ونصفه الآخر ملتصقٌ بالأرض. ١٨ ألف امرأة سعودية قررن الانعتاق من نظرة المجتمع التي ترفض الاعتراف بقدرتهن على المشاركة في الحياة العامة من دون أن يخدش الأمر حيائه الطبيعي، قررن الانعتاق من نظرة الرجل الدونية التي ترى فيهن عورةً تستحقّ ملازمة البيت.
أشتم رائحة تغيير، منذ تلك الحملة التي دعت النساء السعوديات إلى تولي زمام الأمور وإلى قيادة سيارتهن عوضًا عن السائقين الأجانب، والتململ مستمر. خرقٌ هنا، وتحركٌ هناك، والتغيير لا بد آتٍ بعد عقودٍ من الانغلاق.
الانفتاح، هذا بالتحديد ما تشهده السعودية على ساحاتها، الرغبة في التعرّف بالآخر الذي ظلّ سنينًا يسكن ظهرها، الرغبة في التصالح مع انعكاس الصورة بالمرآة، الرغبة في استيعاب الجناح الآخر من المجتمع الذي غيّب قصرًا عن كافة التطورات.
هذا الانفتاح الذي لم يظهر بعد بشكلٍ واضحٍ على جوانب الحياة لكنك تلحظه بجديّة وأنت تراقب تفاصيلها الصغيرة. هذا الانفتاح الذي بدأت معالمه تتبلور أمام العيان كأنّه صدّر الانغلاق إلى الخارج من البلدان العربية.
فالفتاوى الغريبة التي يُعتقد أنها تستهدف مجاهل المجتمع السعودي نراها تلقى صدًى لدى مجتمعاتٍ أخرى، ومفهوم العودة إلى الوراء الذي يبذل السعوديين كل جهدهم للتخلص منه يلقى رواجًا لدى مجتمعاتٍ أخرى. وكأنّ السعودية خلعت لباسها لتتلقفه أجسادٌ عاريةٌ أخرى كانت تتلهف لتغطية لحمها المكشوف من دون أن تنظر ما إذا كان اللباس يليق بها أو هو على مقاسها. هكذا تتجه السعودية بتؤدةٍ نحو الانفتاح على الآخر لنرى مجتمعاتٍ أخرى تغرق في لباسها الجديد، تلملم أسمالها المنشورة على الأرض وتختبأ في عالمها الصغير.
لقد جرّب السعوديون الفصل، وجرّبوا إبعاد المرأة عن الحياة العامة، وجرّبوا كلّ ما لا يخطر على بالك وما يساهم في تفرقة نصفي المجتمع الواحد عن بعضه، لقد جربوا العيش في مجتمعين لا يلتقيان أبدًا ولا يرى أحدهما الآخر لكنّ كلّ هذه التجارب لم تلد المجتمع المثالي الذي كان الفقهاء يتحدّثون عنه ويغرقون في فضائله. واليوم نرى دولًا عربية بأسرها تتجه نحو تعميم النمط السعودي على مجتمعاتها دون أن تلتفت إلى أنّ السعودية قد بدأت بالتخلّي عن هكذا نمط وقررت ركوب أمواج التغيير.
ربّما هو عصر ” السعودية غير” عن باقي البلدان العربية.

Advertisements