وما زالوا يناقشون بلارا فابيان

Posted on يناير 23, 2012

0


وقعنا في فخّها، رغمًا عنّا. إسرائيل هنا، تسكن عالمنا كما لو أنّها من أهل الدار، تحتل أرضنا كخطوة ضرورية لحماية نفسها من الأشرار. إسرائيل هنا، لم ننتبه ونحن مشغولون عنها بخلافاتنا التافهة أنّها صارت خلف الباب. تتربع على كل تفصيلٍ من حياتنا، تدخل عقولنا قبل أن تهجم على أرضنا. تلين أفكارنا، تقسّمنا على مذبح هذا العالم، فإمّا إصدقاء شرفاء أو أعداء إرهابيين. فعلتها إسرائيل، جعلت منا المسرح والممثلين، هي لا تحتاج لنقل الصراع إلى الأرض المسلوبة، فتلك أخفتها خلف جدارٍ سميك يكاد يوازي يجبروته سور الصين، فعلتها إسرائيل يوم جعلتنا نختلف على حقيقة وجودها، يوم طرحت إمكانية السلام بينها وبيننا، يوم مدّت يدها لتصافح من تحت الطاولة وجهّزت الأخرى لتقود طائراتٍ حربية تدك أرضنا وتحولها إلى ذرّاتٍ من رماد.
هل فكّرت يومًا بالسلام مع إسرائيل، هل قررت ذات يومٍ أن تمحي ذاكرتك بكل ما فيها من ألم ومعاناةٍ وقتلٍ ومجازرٍ وفقدٍ للأحباب والأمان والأوطان، هل فكرت يومًا بالغفران، بأن تسامح من دمّر حاضرك وطمس معالم مستقبلك ورمى ظلاله على ماضيك. هل فكرت يومًا بأن تمد اليد لوحشٍ ظلامي قرر ذات يومٍ أن يطئ أرضك لأنّه منذ ما يزيد عن آلاف الأعوام كان شخصٌ ما قد وعده بها. هل فكرت يومًا بأن تصافح من هجّرك من بيتك، من دمّر قريتك، من جعل منك عورةً متجولةٍ أمام الآخرين يجمع على ظهرك  ما يحتاج من أموالٍ ليبني قصره في بلاد الواق واق ويعلّم أولاده في أرقى جامعات أوروبا وأميركا مجتمعتين.
أبلهٌٌ إن كنت تظن أنّ السلام سيعني فتح صفحةً جديدةً مع من أتى ليمحيك أنت وأهلك وكل شعبك عن سطح هذه الأرض. أبلهٌ إن كنت تظن أنّ الانفتاح يعني أن تذوب أنت وحدك في ثقافة الآخر وتنسى كلّ ما لديك. أبلهٌ إن كنت تظن أنّ المصافحة ستجلب لك راحة البال والازدهار فهي ليست سوى خطوةٍ بسيطةٍ أوّلية لفصلٍ من التعاسات طويل. أبلهٌ إن كنت تظن أنّ الأرض بلا مقاومة تعود، وأنّ الأوطان تباع وتشترى في المزاد. أبله إن كنت تظن أنّك ستصبح مواطنًا من الدرجة الأولى في وطنٍ شوّه وقُطّع ليكون في قعر اللائحة الطويلة من البلاد التابعة المسلوبة الإرادة.
ومازالوا يناقشون بلارا فابيان، وبحفلها الذي سيملأ البلاد دفئًا في عيد الحب القارس. وكأنّ لهذه البلاد الحقّ في أن تفرح وتبتسم. وكأنّ لا شيء يجري على أراضيها، لا عتمة تغرق بها مناطقها، لا فساد ولا سرقات ولا سقوف منهارة على رؤوس قاطنيها. هذه البلاد تريد أن تحتفل بعيد للحب، بئسًا لها، فكلّ أيامها أطنانٌ من الكراهية. لا يحقّ لهذا الوطن أن يبتسم، لا يليق به أن يصرخ بالحضارة التي خرج من طورها لأنّ حفلًا غنائيًا لمطربةٍ تجاهر بحبّها لمن احتله وقتله لأكثر من جيل. لا يحقّ له أن يولول ويطرح الموضوع للنقاش قبل أن يقرأ التاريخ الذي لا بدّ أغفله عن الجيش الذي يهدّده ليل نهار بحربٍ ضروسٍ تعيده مئات الأعوام إلى الوراء.
إنّه الزمن الرديء للديموقراطية التي تجبرنا على سماع كافة من يرغب بالكلام، إنّه الزمن الرديء الذي أصبحت فيه العمالة مهنةً شريفةً تبيّض الوجه وتدفع بالمقاوم إلى زاوية التخلّف والهمجية والإرهاب. إنّه الزمن الرديء الذي أصبح فيه الانفتاح لا يعني إلّا أن تستقبل من يلبس ألف وجهٍ ويتحدّث عن السلام ويداه مضمختان بدماء الأبرياء. إنّه الزمن الرديء الذي يمكنك أن تناقش فيه بكل شيءٍ حتّى بالأخلاق. الزمن الرديء الذي يبعبع بالرقي والتقدم وكأنّ الاستعمار مظهرٌ ضروريّ لبناء الحضارات.
ماذا يريدون، أن يغنوا للحب في بلدٍ لا يعرف للحب فيه من مكان، يكره شعبه، يمقتهم، يصنفهم كمّا وأنواع. ماذا يريدون، أن يكشفوا غطاء العمالة عنهم ويبرزوا للعيان. ماذا يريدون، أن يتهموننا بالتخلف لأننا رفضنا استقبال متصهينةٍ على أرضنا، لأننا رفضنا إهدار ما تبقى لنا من كرامة، ولأننا رفضنا سقوط حصن الممانعة الأخير في أنفسنا.
اخسئوا، إن كانت الحضارة كلها مبنية على حفلٍ موسيقي في كازينو يكتفي بعالمه المبهرج والكاذب فبئسًا لها.
اخسئوا، إن كانت الحضارة تعني تسليم أنفسنا ببساطة للجلاد بحجة السلام والإنسانية فهذا محض هراء.
هذا الوطن لا يستحق حبًا، لا تليق به مقاومة، يتبختر فيه العميل ويتشدّق بالكلام ونحن مجبرون على سماعه كي لا نتهم بالرأي الواحد والإرهاب.

Advertisements