اللامرئيون قادمون

Posted on يناير 17, 2012

0


منذ حادثة انهيار المبنى في الأشرفية وروحي لا تعرف الراحة. لا أعرف، هل نحن مرئيون لهذا العالم أم لا، هل يرانا أحد. ربما نحن لا مرئيون، عذاباتنا لا تطفو على سطح المجتمع، يختفي صوتنا في قعر آلامنا، نتجول في هذا العالم نملأ أرضه لكن أحدً لا يحسب لنا حساب، موتنا وحياتنا سيّان. ربّما نرتدي قبعة الإخفاء، لكن مما نختبأ، من الآخر الذي يرفض الاعتراف بنا. اللامرئيون الذين يعيشون على سطح الكوكب، يتجولون على أطراف أصابعهم كي يتفادوا إصدار ضجّةٍ تكشف وجودهم، وتزيل الغطاء عنهم. اللامرئيون الذين يدفعون ثمن كلّ خطوةٍ تقوم بها الدول، هم نار الحرب، وكبش السلام، والمدفونون تحت الأنقاض. اللامرئيون في هذا العالم الذين لا ينالون التعاطف إلّا بعد تحوّلهم إلى جثث هامدة. اللامرئيون الذين يعضون على أصابعهم خوفًا من صرخة ألمٍ تتسرب عن لسانهم دون أدنى حذر.
منذ حادثة انهيار المبنى، والوطن في داخلي يتصدّع، لم أعد قادرة على الإيمان به، أشعر بأغلاله تلتف حول عنقي لتخنقني، هذا الوطن لا يستأهل أن نحلم به، وأن نبنيه حجرًا حجرًا لأولادنا. فكرة الأوطان تزعزعت لدي، لم يتغير شيء، نفس الكلام، ونفس نبرة الصوت تتردد عند كل مصيبة تعصف به. الصبر والسلوان، لم أعد أطيق الانتظار. إلى متى سنبقى على هذه الحال. كل شيءٍ ضاق، لم يعد الأمر يحتمل مزيدًا من الكلام. الطاقم السياسي المتكرر، كثرة الوعود والأخطاء المميتة، الخيانة المفضوحة، الرشوة والفساد والوساطة التي تقتل كل المؤسسات.
كفرنا بهذا الوطن، كفرنا بناسه الذين لا يملون الانتظار، يكتفون بترديد كلام المذعيين والمذيعات. كفرنا بالرسوم التي لا تتغير على شاشة التلفاز. نفس الوجه الذي يعدك بالإنماء، يزرع كسّارةً في جبال بلادك. نفس الوجه الذي يتسوّل أموالًا من الخارج باسمك وباسم أولادك يمتص روحك ليبني مشاريعه الخاصّة.
اللامرئيون هم الأساس، هم المقصد والحل ومفتاح النجاة. الثورة تنطلق من عالمهم لتتحقّق على أرض الواقع. اللامرئيون الذين يسمعون لقنوات التلفاز ككتابٍ مقدس أنزل من السماء. الذين يساومون على رغيف خبزٍ وخزّان وقودٍ مليء بأربع سنواتٍ من العذاب. اللامرئيون الذين يفضّلون إمساك عصفورٍ واحدٍ في اليد خيرّ لهم برأيهم من عشرةٍ يحلقون في السماء. أولئك هم القوى الخفية التي ستعيد بناء الأوطان.
الوطن دولة، والدولة شعب. لا كائنات فضائية تحكمنا، لا رجال آليين. من في الحكومة ومجلس النواب بشرٌ مثلنا، يأكلون ويمشون في الأسواق. نحن من مددنا أعمارهم وأحكمنا رقابنا لتتلقى ضربات سياطهم. نحن من منعنا نزولهم عن الكرسي وخضعنا لسلتطهم خوفًا من الضياع بعيدًا عن سرابهم. نحن من يتحمّل كامل المسؤولية، نحن وحدنا، الشعب اللبناني الذي يرفض التصديق أنّه وحده سبب شقائه وتعاسته، وحده لا أحد غيره.

Advertisements