الانهيار

Posted on يناير 15, 2012

0


قولوا لهذا الوطن أن ينتحر، فليضع حدًا لحياته التي لم تكن سوى سلسلةً مخجلةً من الخيبات والانقسامات والسطو والنفاق. هذا الوطن لا يمكن أن يستمر على حاله، بقائه على قيد الحياة يهدّد البشرية بأسرها، سلوكه الدروب المتهورة تدفع شعبه إلى قعر الجحيم.
هذا الوطن مجرد عذاب، لعنةٌ التصقت بكل من عاش فيه لأكثر من عشر سنوات، هذا الوطن لا يرحم، الموت عنده أشبه بفعلٍ طبيعي من صميم حياته اليومية، ليس مستغربًا ولا يتطلب الكثير من التحقيقات، تُطوى قضاياه كما يُهال على الجثة التراب. قولوا له أن يموت، لو أنّه يُنزل عقوبة الإعدام بحقّه، فهو لا يستحقّ الحياة.
بعض الأوطان يجب أن تختفي حتى تريح العالم من شرّها، بعض الأوطان يجب أن تزول وتضمحّل كي يرمي أهلها بثقلها عن أكتافهم وينطلقوا في حياتهم من جديد. بعض الأوطان نقمة، بعض الأوطان مقبرةٌ واسعةٌ فاغرةٌ فاهها. هذا الوطن لا يستحقّ الحياة، لا شيء يشفع له، لا أرضٌ ولا شعب. كلّ من عليه إلى الهلاك. كلّ من عليه لا يتقن سوى صناعة الكلام. كلّ من عليه لا يعرف إلّا كيف يفور، لكنّه أبدًا لن يثور، يدهشك بغضبه وسخطه من سوء الأوضاع، تكاد ترى الجحيم وهو يصف لك الوضع على أرض البلاد، لكنه لا يفعل شيئًا، يستكثر النزول إلى مظاهرةٍ معيشية، يفضّل سماع رأي الخاصة من أهله، يحشر نفسه في زاويةٍ خوفًا من تغييرٍ لا يشبه ما اعتاد عليه.
الموت في هذا الوطن واحدٌ ولو تعددت أسبابه. والمطالب فيه لم تختلف منذ جيلٍ من الزمن. ما كان يُطالب به آبائنا نطالب به نحن اليوم. عالقون في مكاننا كلّما خطونا خطوةً واحدةً إلى الأمام أتى من دفعنا أميالًا إلى الوراء. الموت في هذا الوطن واحد، لا يفرّق بين انفجارٍ عن بُعد أو اغتيالٍ أو اغتصابٍ أو اعتداءٍ أو تحت الأنقاض. الموت يقدّم للشعب الحلول، يريح الدولة من تحمّل مسؤولية من يعيشون تحت جناحيها، فهي لا تعرف كيف تحميهم أو تدّبر أمورهم، هي لا تعرف كيف تمنحهم حياةً كريمةً لا ينفكون يطالبون بها. الموت يساعد الدولة بقطف أرواح من يزعجونها بكثرة مطالبهم، يريدون خبزًا وماء ونورًا يضيئون به عتمة حياتهم الحالكة.
الدولة لا تدعنا وشأننا، تلاحقنا بالمصائب، تتسوّل بأرواحنا، تقتلنا ومن ثمّ تبكي علينا، تمشي في جنائزنا بوقاحة. ما لهذه الدولة لا تفهم، لا تعي أنّ على الأرض شعبًا يموت، تتحدّث عنهم وكأنّ من واجبهم الصبر عليها، وكأنّها سفينة النجاة من العالم المتلاطم، هذه الدولة لا تعرف أنّ الغرق أرحم بكثيرٍ من العيش في دوامة حكوماتها.
مهزلةٌ ما يحصل، مسرحيةٌ تقام في الهواء الطلق لكن البرد قارس، يتجمد دم المسؤولين في عروقهم وهم يدلون بتصريحاتهم التي تصوّر لنا خريطة الطريق الكاذبة وتعيد على مسامعنا لازمةً طال تكرارها عن التنمية والإصلاح وتطبيق القوانين. هذه تضحياتهم أرأيتم. صفقوا لهم ولا تنسوا وضع أسمائهم في صناديق الانتخابات القادمة.
ماذا ننتظر من دولةٍ تنهار مبانيها فوق رؤوس ساكنيها. ماذا ننتظر من دولةٍ لا تؤمّن أقلّ واجباتها. ماذا ننتظر من دولةٍ غارقةٌ بتخلّفها وجهلها لكنّها ترفض أن تعترف. هذه الدولة لا يمكن أن تكون قابلةً للحياة، لا ينجح معها أي محاولةٍ للإنقاذ، هذه الدولة لا تنتظر إلى إعلان موعد وفاتها.
يتوافد المسؤولون الآن، من الكبير إلى الصغير للكشف على المبنى المنهار، لكنّهم لم يتعنّوا القدوم قبل شهرٍ فالمبنى لم يكن منهار.
أشدّ التعازي للمنكوبين والضحايا الذين للأسف سيطويهم النسيان كما العادة في لبنان.

Advertisements