اليد التي تمتد لأجسادنا ستُقطع، وهذا منتهى الكلام

Posted on يناير 14, 2012

0


أستطيع الآن أن أقول كلمة اغتصاب من دون الحاجة إلى إخفاض نبرة صوتي، أشعر بالثورة تتململ في أطرافي، أشعر برغبةٍ بالصراخ لا لمجرد التنفيس عن غضبي، بل لأقول أنّني هنا، محشورةٌ في زوايا مجتمعاتكم، مرميةٌ خلف نسيانكم، أسكن الظل كما تتجولون أنتم تحت ضوء النهار. أنا هنا، أستطيع أن أسمع حشرجة أنفاسي وهي ترفض الخبو، أستطيع أن أتلمس روحي وهي ترفض السماع لاستغاثاتكم البلهاء والمهوّلة. لم آتِ بعربةٍ سحريةٍ كما في تلك القصص التي زرعتوها في عقلي، لم أحتج إلى ساحرةٍ تجّملني، تحصرني في نطاق جسدٍ بلاستيكي محدّد المقاييس سلفًا. أنا هنا بلحمي المترهل، وبعظمي العريض، وطولي الفارع، لا أنتظر أميرًا لأعيش في سباتٍ ونبات، لا أريد قبلةً تعيدني إلى الحياة، لن ألبس ثوبًا جديدًا، ولن أضيّع فردة حذائي الفضّي وأنا أرحل على عجل، لأنّني سآتيكم حافية القدمين وسأبقى في الخارج إلى ما بعد انتصاف الليل، لن يخيفني الليل بعد الآن، لن تخيفني سيارات الأجرة بعد الآن، لن أسمع لكلام لا يعجبني بعد الآن، وسأفقأ عيني من ينظر إلي دون الحاجة إلى قانونٍ ما زال يفكّر إن كان عليه حقًّا أن يدافع عنّي.
نشط في الآونة الأخيرة الحديث عن ضرورة وجود قوانين تحمي المرأة اللبنانية من الاعتداءات المتلاحقة بحقّها وحقّ جسدها. جمعياتٌ مدنية كثيرة رأت وجوب التحرّك للدفاع عن الحقوق المهدورة، أو غير المبتوتة أصلًا في قوانينا اللبنانية. لا امرأة لبنانية يمكن أن ترفض المشاركة في هذا التحرك الذي سيبدأ ظهر اليوم، لا امرأة لبنانية يمكن أن تتجاهل الدعوة للنزول إلى الشارع للمطالبة بحقوقٍ تبرز بشاعة وهمجية المجتمع الذي نعيش فيه. لا امرأة لبنانية يمكن أن تسخّف وتنقص من قيمة تلك المطالب بحجّة أنّ من يتعرضن لتلك المواقف هنّ من يسمحن بذلك بسبب لباسهن أو حركاتهن أو توقيت خروجهن من منازلهن.
الاغتصاب ليس بالضرورة فعلًا جسديًا بحتًا، الاغتصاب هو الكلمة المقرفة التي تسمعينها غصبًا عنك، هو الاحتكاك غير البريء والذي يظهر لوهلةٍ أولى كفعلٍ عفوي، الاغتصاب هو النظرة التي تخترق دفاعاتك من دون أن تسمحي بذلك، الاغتصاب هو الشيء الذي أجبروك على فعله خوفًا من فضيحة ودمار، الاغتصاب هو قناعتك التامة بلا إمكانية استمرارك بالحياة من دون ظلٍّ لذكرٍ يحميك، الاغتصاب هو إيمانك بمبدأ الديك والدجاج.
الاغتصاب ليس خاصًا بمن ترتدي تنورةً قصيرة، أو تأتي بمواعيد متأخرةً ليلًا. الاغتصاب قد يستهدفك أنت أو ابنتك أو أختك أو جارتك. هو لا يعرف الفرق بين من تغطي نفسها من رأسها إلى أخمص قدميها وبين من لا تفعل ذلك. العقلية التي تقوم بفعل الاغتصاب لا ترى في المرأة إلّا جسدًا عاريًا.
أعرف أنّني لا أستطيع أن أتأمل كثيرًا بالحالة اللبنانية، أعرف أنّ الأمور هناك تجري دومًا بما لا يشتهيه الشعب، أعرف أنّ الشعب بعد فترة سيملّ المطالبة بحقوقه المترفة، أو أنّ الدولة ستمطر عليه بعضًا من وعودها الكاذبة كما جرت العادة.
لكنني أفكر الآن بحلولٍ أخرى، لسنا بحاجةٍ لانتظار أحد، لسنا بحاجةٍ للعيش في اكتئابٍ حاد إن لم يسمعنا أحد، أصلًا لسنا بحاجةٍ لصوت حتّى نحقّق ما نرغب. اعتقد أنّ على هذه الجمعيات النسائية أن تبدأ بتدريب الإيناث على فنون الدفاع عن النفس وطرق رد محاولات الاعتداء. بمعنى آخر على النساء أن يبدأن بالتفكير بأخذ حقوقهن بأيديهن، باقتلاعها من جذورها، لسنا بحاجةٍ إلى قانونٍ لن يفيد إن لم تتغير عقلية المجتمع الشرقي الذكوري بحق، اليد التي تمتد لجسدي أو روحي لا فرق سأقطعها وهذا منتهى الكلام.
كلمة أخرى أود أن أقولها، هو أنّ المرأة تتحمل ثمن ما يجري لها اليوم، فهي بذاتها من يؤمن بضرورة امتلاك رجلٍ ولو كان فحمة، الزلمة بالبيت رحمة ولو كان فحمة، هي التي منحت الرجل هذه القدرة على التسلّط عليها. هي التي لم تعترض يوم ذمّها بحجّة المزاح، هي التي لم تصفعه على وجهه ردًّا على أخرى وجهّها لها. المرأة تتحمل جزءًا من المسؤولية لأنها فضّلت الصمت على الصراخ والعار. لا أدعو إلى العنف، لكن الوضع المتفاقم للمرأة في مجتمعاتنا يجبرك على اتباع هذا الأسلوب، على المجتمع أن يستيقظ من خدره الذي طال.
كفى كلامًا لا ينفع إلى للقراءة، نحتاج إلى حلول عملية، لن ننتظر قوانين في بلدٍ يدّعي الجميع بأنٌهم يرفضون الطائفية، وعند أول كلامٍ عن نظامٍ لا طائفي يركضون للاحتماء بجماعاتهم وقطعانهم. اليد التي تمتد لأجسادنا سنقطعها، وهذا منتهى الكلام.

Advertisements