التطهير الجنوبي

Posted on يناير 12, 2012

0


الرسول لم يفعل ذلك، لم يفجّر جرار الخمور التي كانت تملأ البيوت. لم يحز رأس أحد. لم يفخّخ جملًا في الأصنام، ولم يقتل الناس لأنهم كافرين. الرسول لم يستغل أحدًا، لم يمد يده من تحت الطاولة، أو تلوّن بألف لون، لم ينافق، لم يلبس الوجوه كرمى للبشر. لم يكذب عليهم، لم يدافع عنهم، لكنه لم يقمعهم. بدأ وحيدًا، بدأ بالكلمة، لم يحشِ في عقول الناس الخزعبلات، حدّثهم عن الدنيا قبل أن يأتي بسيرة الآخرة. لم يرد منهم شيئًا سوى أن يسمعوه، أن يمنحوه بضع دقائق في النهار للتفكير. لم ينسف أمامهم كل ما يأمنون بهم، ورويدًا رويدًا جعلهم يتخلون عما اعتقدوا به دون عنفٍ أو اعتداءٍ أو تحقير.
ظلمات الجاهلية التي كانت لم يبزغ فيها فجر الإسلام هكذا، بحزامٍ ناسفٍ بين جموعٍ بشرية، أو بقنبلةٍ لا تزرع إلّا الخوف والكراهية والرغبة في التشبث بالخطأ ولو نشرت أمامه الصواب صحائف منشورة. لا شيء يفيد من كل هذا، التبشير بعصر القنابل الموقوتة والسيارات المفخخة دفاعًا عن عقيدة ولو كانت محقّة لن تأتي بخير، بل ستزيد الأمور تعقيدًا، وتضخّم اللاشيء ليصبح بحجم قضية.
لم يفرض الرسول الإسلام وتعاليمه دفعةً واحدة، لم ينزل عليه الوحي أول الأمر، ليخرج بعد ساعةٍ ليخبرهم بوجوب أن يصلّوا خمس مراتٍ في اليوم، وأن يتوضؤوا ويغتسلوا ويسكبوا الخمر في طرقاتهم ولا يعودوا إلى معاقرته. خطوة، خطوة أخذ الرسول بأيديهم، كمن يعلم الطفل كيف يخطو خطواته الأولى، بشرهم بتعاليمه. دعونا لا نقرب الصلاة في البدء وأنتم سكارى، أعرف أنّ في الخمر تسليةً لكم وخدرٌ مؤقت لكنّه في المقابل ليس الحل، فيه أذى كثير، وضرّه أكبر من نفعه لو كنتم تعلمون، وقليلًا قليلًا أخذ الناس يفكرون بمسألة معاقرة الخمر، حتّى أنّه قبل أن تنزل آية التحريم كانت الجرار تسكب في الأزقة من قبل متعاطيه.
لم يفزعهم الرسول، لم يقل لهم من أنّ من رأيتموه يسكب قطرة خمرٍ في فمه فأتوني برأسه. لم يخرج عليهم بعصا، أو يرشق خوابيهم بالحجارة، ما فعله لم يكن أكثر من إنارة الدرب، إظهار الصورة متكاملةٍ بكل ما تحمل من احتمالٍ جيدٍ وسيء. فيه نفعٌ، أنا معكم، لكنه يحمل الأذى أيضًا.
لماذا هذه التفجيرات المتنقلة في المناطق الجنوبية، من أين أتت فكرة التطهير الآن، جرف كلّ ما يخالف الصورة المقدسة المرسومة في أذهان البعض. لسنا دولة إسلامية، ولا نعيش في مكانٍ مقدسٍ يستلزم إحداث هكذا نوع من الضجّة والتي لا تفيد إلّا بإشغال عقول الناس عن همٍّ أكبر، عن معيشةٍ تتدهور. القاعدة أو، كما جرت العادة، الأهالي الذين يخافون على أولادهم من سهولة الحصول على مسكر، أو أي من الخلايا المتشددة التي ترى في تطهير ما يُسمى مناطقها ضرورة وحاجة ملحّة، أقول ما هكذا يسوّى الأمر، الأجدى أولًا تطهير النفوس من الحقد والكراهية التي تسكنكم، وقراءة تعاليم كتبكم، علّكم تجدون فيها من طريقةٍ أخرى غير التفجير تبدأون فيها مخططكم.
لا نسمع إلّا بانفجارٍ يهزّ المكان، يستهدف حجرًا أو بشرًا أو قوارير ومشروب، لكننا لا نسمع أبدًا عن فاعلٍ لفعل التفجير، لا يظهر الفاعل أبدًا، تطلق الصواريخ ولا نعلم إلّا من إذاعات إسرائيل، يحدث انفجار، نلتهي به يومين من ثم نعود إلى مجرى حياتنا الطبيعي بانتظار انفجارٍ آخر نعيد معه الكرة، لا أحد يعرف من يخرب، لا يُكشف الفاعل، لكن الفعل وللأسف نراه دومًا يتكرر.

Advertisements