لو كان للقدس لسان

Posted on يناير 10, 2012

0


ستقول القدس مللت، فتردّ غزّة اصبري. ستُعيد القدس الكرّة لكن هذه المرة مع بكاءٍ لا ينتهي. تقول القدس لغزّة هل سمعت يومًا ببلادٍ تموت، هل سمعت بشعبٍ لا مرئيٍ يعيش على هذه الأرض، يُقتل ولا أحد يراه، يُطرد زورًا من بيته ويحاول جميع من في العالم إسكاته وإلهائه وتشريح أرضه كما يُفعل بجثث قتلاه.
لو كان للقدس لسان لصرخت مطالبةً بإسقاط كل شرائع الإنسانية الجوفاء، لاقتلعت نفسها من الجذور وخرجت منددة بمن يمتطي ظهرها، ويتسوّل باسمها، ويجول العالم موّزعًا كلامه هنا وهناك، من دون أن يتعنّى ولو لمرّةٍ زيارتها.
فلسطين قضيتنا وليس مأساتنا، ليست ذاك الماضي الذي ينفكّ يشدنا إلى الوراء، ليست عورتنا المكشوفة على الملأ، القدس هي شرفنا المسلوب بتواطئ الأنظمة، هي الأرض المباعة ببعض رضى من قِبل ساكنيها.
الحقّ لي تقول القدس، الحقّ معي تكرر بإلحاح.
لو كان للقدس لسان لنسفت الوعود التي ضمّت اسمها، لفضّلت أن تُخلي مكانها من كثرة ما لاكت الأفواه سيرتها. القدس ليست ملك أحد، هي للإنسانية جمعاء، من حقّنا أن نتساءل إن كان يتم بيعها.
تُرمى فلسطين بكلّ الثقل، نعلّق عليها كل هزائمنا وعيوبنا ونكساتنا، نخلع أمامها خطايانا ونرميها بها، ما ذنبها إن كنّا نفضّل علك الكلام بدلًا من امتشاق السلاح، ما ذنبها إن كانت نفوسنا أعزّ لدينا من أرضٍ تأوينا، ما ذنبها إن أغرانا السلام.
رويدًا رويدًا تصبح القضية عبءًا على من ارتضى حملها طوال عقود، نتنازل قليلًا قليلًا من دون أن نلتفت، كتابٌ هنا، وحفلةٌ موسيقيةٌ هناك،ورغبةٌ بالانفتاح ثالثًا، ورفضٌ للتقوقع، وحفلات تجمعنا وأحاديث تفتح سيرة الأرض الواحدة التي يسكنها شعبين لن يندمجوا إلّا إذا اختلط الماء بالزيت. كلها حججٌ تدفعنا إلى التساهل مع كل ما يجري، فلا مانع من لقاء يجمع الظلّين تحت سقف واحد، لا مانع للضحية أن تجلس جنبًا إلى جنبٍ مع الجلاد.
يتزين الاحتلال، ولا يدري إنّه مهما لوّن وجهه يبقى احتلال. أجنبي اغتصب بلادًا وعباد. يتجمّل الاحتلال، يمد اليد لك لتصافح، يحاول أن يسحب منك مجرد اعتراف، وأنت لطيبة قلبك تؤمن بالسلام، تنزع عنك الخوف من الثعبان الذي يشاركك مسكنك، تبرّر له ألف حجّةٍ، لا يمكن أن نبقى على حالنا، فلنصافح ولنعترف بالكيان الغاصب.
لا أريد للقضية أن تتحوّل إلى عبأ، لا أريد أن أخنق نفسي بكوفيةٍ ألفها حول عنقي كي لا اتهم بالتفريط بالأرض. فلسطين ليست سبب تخلفنا، ولا هي سبب ركودنا في مستنقع التاريخ كالرجل المريض غير قادرٍ على تحريك ساقيه.
من قبل إعلان فلسطين العربية وطنًا لليهود، من قبل النكبة والنكسة والاحتلال ونحن نتوارث التخلف والجهل وعقدًا نفسيةً عتيقة. الأزمة تكمن في ماضينا القديم الذي نرفض التخلّي عنه، في عقائد أجدادنا الذين ما نزال نتحارب لأجلهم ونسفك الدماء فداءًا لأفكارهم.
الأزمة في نفوسنا المسلوبة التي لا تعرف ماذا تريد وكيف تتجه وإلى أين تصل.
فلسطين… عذرًا عن المثقفين الذين لا يتقنون سوى صناعة الكلام، ويسرفون في الفلسفة والتنظير، وعذرًا عن الشعوب التي تحمّلك ما لا تطيقين وترمي بكل معاناتها عليك.
نعرف أنّه لو كان لك لسان لضججت بالصراخ انتقامًا من هذا الوضع المقيت.

Advertisements