مُبارك

Posted on يناير 9, 2012

0


أطلقوا الزغاريد، ضجّوا بالتصفيق، فالإحياء قد بدأ ببركةٍ من كل الدول. الميت قام، نفض عن ثيابه غبار أعوامٍ من السُبات واليوم عاد للانتقام ممن خدّروه ورموه خلف أجنحة الظلام. الإحياء قد بدأ، هل سمعتم، تقوقعوا داخل مربعاتكم، تمترسوا وراء أديانكم، لا تسمحوا لأحدٍ بأن يعبر إليكم، فالوقت قد حان للسيطرة على عالمٍ لطالما قسى عليكم.
أي مستقبلٍ ينتظرنا، أي زمنٍ قادم نصنعه بأيدينا. مباركّ لكم التقسيم الآتي، مباركٌ لكم ولادة الكنتونات والمناطق، ربما يحتاج العالم إلى مزيدٍ من الأسلاك الشائكة ليتزين بها، ربما يحتاج أكثر إلى جدرانٍ تحمي كل جماعةٍ في مستوطناتها. أيّ عالمٍ نصنعه، يملأه الحقد والكراهية ورفض الآخر، افرحوا بقيامة الميت، فأنتم لا تعرفون أنّ الميت إذا قام كان مسخًا مخيفًا، يشرب من دماء البشر.
الميت إذا قام لن يكون كالأحياء، تتوقع منه حياةً جميلة، وأنفاسًا من الحرية. الميت يرى في قيامه إزعاجًا يملأه غضبًا وسخطًا يجبره على ترك أحاسيسه الإنسانية في حفرته ليمتصها التراب، ويأخذ معه كل حقده الذي جمعه من وقت موته لساعة قيامه ليفرغها على من يعترض طريقه دون تمييز.
شكرًا لكل من ساهم في إيقاظه، شكرًا لكل من ظلّ يذكّرنا به غير مصدّقٍ موته. شكرًا لكل من لا يقدر على العيش مع البشرية بسلام من دون أن يقسّم ويفرز ويحدّد الأصناف والفئات. عودة الميت سترفع الهلال إلى كبد السماء، عودة الميت ستنغصّ عيش الرافضيين الرافضين منذ ألف عام. استمروا على هذا المنوال، انفخوا في الأجساد كل ما تملكون من طاقةٍ للتفريق، عبّأوا الأرواح بزفير حقدكم، ربّوا أولادكم على الجمل التي لا تقترن إلّا بلفظ كلب، لا تعاونوه فهذا شيعي كلب، اقتلوه فذاك نصراني كلب، غذّوا الكراهية. لأننا نحتاج إلى المزيد، مللنا العالم القبيح، نريد الآن عالمًا أكثر دمامة وقبحًا.
أيّ لعنةٍ تلك التي نحملها، لا يعرف من أحدٍ فكّ طلاسمها. أي مؤمراتٍ تلك التي نتوغّل في متاهاتها، أيّ نفقٍ أسودٍ لا ينفك يلاحقنا، يجبرنا على الدخول، يعمي عيوننا، وخوفًا من أن نعتاد رؤية الظلام يطفأها. من أين تأتي كلّ هذه الألسن السامّة، ولا يخرج ولو لسانٌ واحد من مخبأه يخبرنا أنّ نقطةً من الضوء تلوح في نهاية النفق.
لا أريد أن أصدق ما يجري، لا أريد أن أجمع الوقائع أمامي على الأرض، أريد أن أستمر بالحلم، أريد أن أقنع نفسي باحتمالية وجود الأمل.
رغم كل الكلام المشحون بالطائفية سأشحن روحي بكلامٍ عن الإنسانية، ورغم كل الكلام عن الكنتونات لن أكون حيوانًا آخر يرتمي في أحضان فصيلة، نحن من يصنع الفرق، نحن من يقبل أو يرفض، لا رغبة لي بولادة فرعون آخر، لا رغبة لي بالعودة إلى الوراء، أحلم بعالمٍ لا يتناحر أفراده على السماء، ولا يتقاتلون على من التحفوا الأرض في غابر الزمان.
ومضةٌ من أمل أرغب في أن أحتفظ بها، علّنا نكف عن العبث مع الأموات، وننتقل إلى العناية بشؤون الأحياء. من يرغب برؤية الدماء والأشلاء، من يرغب بأوطانٍ متفجرة، أو بحزامٍ ناسفٍ على خصر ولده بدلًا من كتاب. ما هكذا تُصنع الحياة، ما هكذا بشّر الرسول بالإسلام، هل تذكرون فقط، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

Advertisements