امرأة في السعودية

Posted on يناير 9, 2012

0


هنا عالمٌ للرجال، تختبأ فيه النساء خلف جدران متعددة. لا مكان لهم في الشوارع، لا مكان لهم في نزهةٍ صباحية تُطلق العنان للأرواح. نهاراتٌ متشابهة، وليالٍ مستنسخة، تجعلكِ تتساءلين عن جدوى الزمان، سيمر الوقت، بالتأكيد، لكنه سيملك ثقلًا يوازي السنوات. أن تسكني السعودية يعني أن تخرجي من دائرة حياتك إلى مكانٍ صامت وروتينٍ رتيبٍ قاتل.
أول انطباعٍ لي عن هذا المكان كان أنّ الشمس لا تشرق فيه، لم أرها كثيرًا، فهي إمّا محتجبةً خلف ستائر سميكة لنوافذ يفترض أن تُفتح، أو أنها حكرٌ على من يخرج من الصباح حتّى المساء إلى عمله. لا عمل لك، تبقين في منزلك، لا يمكنك أن تخرجي من دون وصيٍّ يمسك بيديك ويهديك إلى الطريق الصحيح.
السعودية غير، ليست كسائر البلاد، لا نبض حياةٍ فيها سوى للعمل، لا نساء يتجولن في طرقاتها بارتياح، لا قرارات فيها فجائية، كلّه منظّمٌ ومحسوب ولا يخرج عن المخططات.
ما قد يفقدك عقلك، أنّ النهار يتكرر معك بصورةٍ عجيبة، يصل إلى حد الاستنساخ.
في السعودية تشهدين نفسك وهي تحلق متخلفةً عن ركب الحضارة، قد تمتلكين كل أسباب المدنية الحديثة، سيارة عصريةٌ يقودها سائق وهاتفٌ أذكى منك، لكنك تتفاجئين إن خرجت من حدود عزلتك أنّ النساء على كوكبٍ آخر يقدن السيارة والدراجة دون أن يخدش الأمر حيائهن. وأنّ النساء على الكوكب الآخر، ينهضن من الصباح إلى أعمالهن كما الرجال.
في السعودية ستصبح هوايتك التجول في المتاجر الكبيرة بحثًا عن لا شيء أضعتيه من نفسك. ستملّين كلّ المظاهر التي وجدت لترفيهك.
في السعودية ترتدين العبائة كزي رسمي، لا يهم الحجاب أو غطاء الرأس، لكنكِ إن كشفت وجهك ستتعرضين لهجومٍ من العيونٍ الناقمة أو المتحسرةٍلا فرق، فكشف الوجه هنا عريٌ من نوعٍ آخر.
يقف الزمان في السعودية عندما تطأ قدماكِ أرض المطار، في اللحظة تلك تتحولين إلى مجرد تابع، تختبأين خلف إصبعك وكأنّ لا شيء يحدث، وكأنّ الحياة في كل أصقاع الأرض تسير على هذا المنوال، امرأة في البيت من الصباح إلى المساء، امرأة لا همّ لها سوى تحضير طبقٍ لليوم، ربّة منزلٍ بمعناها الشديد التقليدية.
أنت امرأة، وأنت في السعودية، تقضين ما توجب عليك من السنوات، ورويدًا رويدًا تعتادين ذاك النمط من الحياة، يصبح الحديث مع الرجال أمرًا مخجلًا، وتسألين بعفويةٍ أينما ذهبت عن مكانٍ للعائلات، تنزعجين من العزّاب ومن الحركات الطائشة للشباب. تتابعين السير سيدا، الأمور ستغدو بخير، لن تظلي هنا إلى آخر العمر، ربما خمسة أو عشرة أو ربما عشرون سنة، لكنك ستعتادين الأمر.
امرأة في السعودية، هذه مهنتك الآن، المطلوب منك أن تحافظي على تماسكك لحين قدوم أيام العطلة، بضعة أشهرٍ تغيبين فيها عن الحياة، بحقوقها البسيطة لتخطلي بعالمٍ قاسٍ، بمدنٍ لا مكان فيها إلّا للحجر، تحاولين حماية روحك من التحجّر، تحاولين الحفاظ على ما تبقّى من أفكارٍ تقنعك أنّ على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

Advertisements