ربّما هو آخر الزمان

Posted on يناير 7, 2012

1


أنهارٌ من الدماء تجري في بلاد الشام، عرفت ذلك منذ سنين، لم أكن يومًا عالمة فلك، ولا من الأشخاص الذين يتنبؤون بالمستقبل، لكن القصص تملأ ماضينا عن علاماتٍ تحدّد نهاية التاريخ. لن يصلح الوضع بعد الآن، هكذا تقول الروايات، وستمتلأ الشوارع بالقتلى والدماء، ستفوح رائحة الموت كما لم نعهدها سابقًا، ستُنسى الثورة، وسوف لن نستطيع العودة إلى الوراء، ولن ندرك هول ما اقترفناه إلّا بعد فوات الآوان.
سوريا ستنهار، هكذا تقول النبوءة، سيتناحر أهلها فيما بينهم تناحر الضباع، لن يشفع تدخلٌ يأتي إليهم من قريبٍ أو بعيد، بل سيزيدهم تشتتًا وانقسام. لن تعود البلاد إلى سابق عهدها من الاستقرار قبل أن يعمّ الخراب. ستعود الشام لتصبح إمارة، ليس كذبًا ما يحصل، فالإسلاميون هناك، ينتظرون الانقضاض على من غسلهم بالدماء، لن يسمحوا لأحدٍ بتوّلي السلطة عليهم كما فعل النظام العتيد.
المصير المكتوب على الورق يظهر الآن أمامنا واقعًا متجسّدًا، كلّ الحكايات التي تُروى تجد لها مسرحًا، كثرة الدم المسفوح في بلاد الشام، خرابٌ في العراق، فقدان للأمن والأمان، الخوف من الزمان، رعبٌ يحكم المنطقة ويفتح مصيرها على المجهول، كلّها علاماتٌ وإشاراتٌ تجعلنا نفكر بخاتمةٍ للأمور.
هكذا إذن، هو آخر الزمان، سنقف مكتوفي الأيدي أمام ما يحصل، لن نبذل جهدًا بالتدخل، سوريا تغرق بالدماء، ينهار الأمن فيها وكذلك النظام، ليسيطر على رأسها حكم السلف الذي يحولها إلى إمارةٍ كما في الزمن القديم، وتكثر الإمارات من حولنا لتتحول إلى خلافة، وتخرج الألوية بعد ذلك لتطهير العالم من الكفار، فتصطدم بجيشٍ آخر يقوده إمامٌ يخرج في آخر الزمان، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن تكون قد ملأت ظلمًا وجورًا. هذا هو سيناريو المستقبل الموعود الذي بدأ يلوح بالأفق.
سيناريو مخيف، يضعنا أمام احتمالٍ واحد، أنّ الموت في سوريا كما في المنطقة، لا نهاية له، لا يشبع ولا يطالب إلّا بالمزيد. لا إصلاح آتٍ والوضع لن يزداد إلّا سوءًا مع توغلنا في الزمن. وما يؤكد هذا السيناريو، أنّ الأحداث تأخذ مجراها المؤساوي رغم أنف الجميع، فلا القتل توقف، رغم رفض النظام والمعارضة معًا لسلوك درب الموت وتفضيل السلمية على العنف لمعالجة الأمور. ولا التفجيرات انحسرت، ورغم رغبة الجميع في الوصول إلى نهاية لا نزال عالقين في بداية البدايات، نناقش في النقطة ما تحت الصفر، لا نعرف شكل الحكم الذي نرغب في أن يحكمنا، ولا نعرف كيف نبدأ بحكم أنفسنا دون وصايةٍ من أحد، ما يسهّل للبعض السيطرة على عقولنا، والدوس على معاناتنا لتسلق سلّم السلطان.
الإسلاميون المتشددون يحكمون السيطرة في كل مكان، رغم رفض الجميع العودة بالزمن ألف عام، يفرض أولئك شروطهم، و يستغلون معاناتهم وتراكم الاضطهاد الذي عاشوه ليُخضعوا الشعب لأوامرهم، وشكل الحكم الذي يرتضونه.
لم يكن الوضع يومًا أصعب مما هو عليه الآن، كلامٌ كثيرٌ يتكرر مناديًا بالحرية والعدالة والديموقراطية، وأفعالٌ كثيرة ترتكب تشرّح تلك المصطلحات وتدخلنا في عالمٍ من التوحش والحيوانية. لا نعرف معه إلى أين نتجه، لا نعرف القاتل من الضحية، يتقن الجميع لعب الدورين ببراعة، القاتل هو الضحية، والضحية هي نفسها تكون القاتل.
أمام يجري على أرض الواقع، وأمام حجم التعمية التي تُفرض على الأحداث، وأمام الكذب والنفاق والتلاعب الذي يلوّن أنظمتنا وثوراتنا ربما الشيء الوحيد الذي نتمناه أن يكون هذا هو آخر الزمان علّه يريحنا ونريحه ونرتاح من مهمة تقرير مصير البلاد والعباد.

Advertisements