استبداد النخبة

Posted on يناير 7, 2012

0


لا تلم الشعب إن لم يعرف طريقه، لا تبكيه إن فضّل كسرة خبزٍ على الوقوف ساعةً تحت شمس الظهيرة. لا تلم الشعب إن إفرط في استخدام الدماء كمكوّن أساسي من عناصر حياته اليومية. لا تلم الشعب إن سكت كلّ هذه الأعوام وتنازل عن حقّه خوفً من الطغيان. لا تلم الشعب إن لم يصرخ، إن لم يصنع من قهره أعمدةً من اللهب تعيد له بعضًا من شرفٍ وكرامةٍ أخفاهن الحاكم خلف القضبان. لا تلم الشعب إن أضاع بعد الثورة بوصلته، إن أعماه هول ما رأى عن الحقيقة، لا تلم الشعب يومًا إن لم يعرف طريقه.
دعني أقل لك من تلوم. لم جماعةً من البشر، ترى في نفسها أنصاف آلهة، كلّما نطقت ظنّت  بأنّها لا تتفوّه إلّا  بكلامٍ عظيم لا يمكن أن يكون مجرد مقاطع صوتية. هم من يرفضون الموت، ولا يتاجرون إلّا بالأموات. وحده الشعب من بنظرهم يستأهل أن يكون القربان، أمّا هم، فذخيرةٌ للزمن الآتي ومنارةٌ للحياة.
النخبة المثقفة هم من امتهنوا وظيفة الكلام، يستهويهم وضع مخطاطاتٍ واستراتيجيات، نشاهدهم على شاشة التلفاز يأبّنون الضحايا، ويتحدثون بأملٍ وعنفوان عن الدم النازف ومخاض الأوطان.
النخبة المثقفة، تظن أنها تعرف أكثر، ومن المفترض أن تعرف أكثر. لكنّها تفضّل الكتمان، لا تفضح أسرار مهنتها للعلن، بل تختفي خلف ستار بانتظار انقشاع الغبار، لا تمانع أن تكون نظامًا آخر يشبه ذاك النظام، لا تمانع المساومة بدماء من ترميهم كحطبٍ في الشارع. لا تستحي من مد اليد لشيطانٍ لإسقاط آخر تحلم باحتلال كرسيه.
النخبة المثقفة لا تقول للشعب ما عليه أن يفعل، تحثّه على الفوران، تهلّل وتصفق له في المنابر العالمية، تمنحه بركاتها وحضورها الافتراضي في الساحات. وبالنهاية هي من يتوّلى أمر الغنائم، وحده الشعب من يناديها إذا ما أُنهك وأعياه القتال. الشعب يضع ثقته في النخبة المثقفة، وتلك الأخيرة تضعها في الشيطان. تتوّلى تنفيذ مصالحها، وما يتناسب مع أفكارها، وما تعتقد أنّه الأنسب، أمّا رأي الشعب فذاك همجٌ رعاع.
النخبة المثقفة التي تجول العالم وتشارك بالمؤتمرات تمثيلًا لوطنٍ تطأه على عجلٍ في عطلةٍ صيفية، النخبة المثقفة التي تحتار بدور الأزياء التي تعتمدها في مظهرها وبالساعات وتسريحات الشعر وموائد الطعام والإكسسوار دون أن تدري أنّ بملابسها تلك قد تدفأ لليلةٍ عائلةً محشورةً على بعضها ما تزال تنتظر فكاك الحصار والمياه والتيار.
النخبة المثقفة لا تتعنّى تقديم نصائحها للشعب الذي ضلّ الطريق، بل تتركه يضيع. لا تمانع أن يدخل في متاهةٍ تفقده صوابه وتجعله يؤمن بما تقدّمه له كآياتٍ يتلوها المخلّص من العذاب الأليم.
النخبة المثقفة تخدع الشعب كما يفعل الرئيس والنظام والعسكر، تبني ديكتاتوريةً لا وزن فيها إلّا لأتباعها، تمامًا كما يفعل الديكتاتور. تخدع الشعب بكلامها المنمق والمرصوص عن الوحدة والحرية والديموقراطية. لكن رويدًا رويدًا يُرفع الغطاء عن وجهها المجمّل لتكتشف قباحة المبشّرين. لتعرف أنّ الحرية لا تأتي إلّا على مقاسهم، والديموقراطية لا تعني إلّا مشاركتهم هم بالحكم، والوحدة لا تختلف كثيرًا عن ضرورة ضمان تماسك صفوفهم.
مسكينٌ الشعب، يضع آماله كلّها بنخبةٍ توحي له بأنها الأرفع والأسمى والأعرف من عامة البشر، يضع كلّ ثقته بأصحاب البزّات والألسنة الناطقة باللغات، وبالخريجين من أرقى الجامعات. ليكتشف بعد فوات الآوان أنّهم حثالةٌ لا تبغي إلّا الربح، ولا تستحي من التسلق على أجساد الأحياء فما بالك بجثث الأموات. مسكين الشعب لا يأتي إلّا متأخرًا، ليكتشف مرارة الحقيقة التي غرق بها طوال زمن الثورات.

Advertisements