عادي أو طبيعي لا فرق

Posted on يناير 4, 2012

1


تدهس سيارةٌ مظللةٌ جموعًا من البشر، عادي، لا أحد يسأل لمن تتبع تلك السيارة. يبعبع مسؤولٌ يعبد السفارات، يخوّن حفنةً من الرجال آمنت بتحرير البلاد، عادي، يقول كلامه وبقوّة، يذم ويقدح ولا أحد يحاسبه. ينهال عسكريٌّ بالضرب على مواطن، يهينه يمسح به الأرض والجدران الوسخة، وقضبان الزنزانة التي تحولت إلى وطنٍ لكلّ غريب، ولا أحد يسأل، طبيعي، الحق مع العسكر يدور معه كيفما دار. تنقطع الكهرباء عن ثلاثة أرباع الوطن، تغيب ولا تأتي ولو أشعل الشعب نفسه شمعةً في الظلام، عادي، لا أحد يخرج ليرمي بغضبه على مؤسسةٍ تحمل للترف اسم الطاقة وتوليد التيار. يُعتدى على امرأة أمام شرّاع العدل في قلب المحكمة، عادي، تمر الحادثة كخبرٍ صغيرٍ مرمي في أسفل صفحات الجريدة. يُكشف غطاء العمالة عن شخصٍ ما، تُفضح علاقاته وشبكاته المحبوكة مع أعتى أعداء بلده، عادي، يختفي عن الأضواء لمدة لا تزيد عن تسعة أشهر، تخبّأه الدولة في خلاياها وبعد أن تضمن النسيان تُظهره كطودٍ للوطنية ورمزٍ للشرفاء.
عادي، طبيعي، لا شيء مستغربٌ في هذه البقعة من الأرض، لن يفغر أحدٌ فمه، لن تلحظ ملامح التفاجئ على العيون، الوطن يحبل بما هو أغرب من ذلك يقول البعض. ما هو الأغرب، عفوٌ عن العمالة وإعدامٌ للمقاومة، ما هو الأغرب حديثٌ عن التقسيم وحربٌ طائفيةٌ ضروس على فنجان قهوةٍ صباحية، ما هو الأغرب تبرير العنف اللاحق بالأبرياء الآتي من حماة الأمن، ما هو الأغرب خوفٌ من اغتصابٍ وضربٍ يغطيه الجميع بلحاف المجتمع.
كلّ شيءٍ غدى أكثر من طبيعي. يسمسر أحدهم بالوطن كما لو كان قطعة أرضٍ ورثها عن أبيه، كما لو كانت ملكيةً اشتراها بمزادٍ علني. ولا أحد يسأل، يظهر مؤيدٌ لفعله تمامًا كما يولد المعارض، ترى موافقةً كما ترى الرفض، وكأنه فعلٌ يحتمل هذا الأمر. تدخل جحافلٌ عسكريةٌ أرضًا عصيةً على حكّامها، يدخلونها كما لو كان في الأمر عصيانٌ لا يحل إلّا بقنبلةٍ نوويةٍ تبيد الأرض بمن فيها، يدخلون كالفاتحين مهللين بشارات النصر، عادي، من حقّهم أن يدافعوا عن حدود بلادهم الطبيعية، لا اجتياح في الأمر، لا احتلال، من حقهم اعتماد ما يرونه مناسبًا أمام الخطر القادم من الجنوب.
عادي، لا تسألوا عن أشياء وأمور إن تُبدى لكم لا تنالون منها غير التعب وإرهاق التفكير، أيها الشعب أبقوا على عماكم، كل الأمور هنا أكثر من طبيعية، لا شيء في التطبيع، لا شيء في الاستغناء عن حلمٍ بتحرير بلادٍ ليست لنا، لا شيء في بيع الأوطان، لا شيء في تحويل الأرض إلى مقبرةٍ جماعيةٍ تسع كلّ من لا يرى اعتياديةً في الأحداث والأمور.
كلّ ما ترونه أكثر من طبيعي، لا ترهقوا أنفسكم بالتفكير، لا تحملوا ما لا طاقة لكم، لا تستغربوا من الآن إن حاضر بكم عميلٌ عن الوطنية وشعور المواطنة والانتماء، لا تذهلوا إن رأيتم مجرمًا يتوضأ بدماء قتلاه ليقيم صلاة الجماعة في بيوتات الله، لا ينتابكم شعورٌ بالدهشة من قسوةٍ يقابلكم بها من قبلتم به حاكمًا وأميرًا للبلاد.
اثبتوا في أماكنكم، ليس غريبًا ما تشهدونه، ليس معيب، سقطت كلّ المعايير، سقطت مقاييس الأخلاق، العالم اليوم لمن يقدر أن يبقى، لمن يستمر في الوقوف في وجه تسونامي الأحداث، العالم اليوم للأقوى، لمن يستطيع أن يطلّ برأسه فوق الجموع ولو كان يطأ على جثث ضحاياه، لا أحد يسأل، الموت كما كلّ شيءٍ في زماننا أصبح اعتياديًا أكثر من الحياة.
لا تستغربوا إذن فلسطينيةً تخدم في جيشٍ إسرائيلي يحتل بلادًا، طبيعي، أن تُدعى فلسطين.

Advertisements