البحث عن الكابتن ماجد

Posted on يناير 3, 2012

5


أنا من الذين يفتخرون بأنّهم تابعوا الكابتن ماجد بأجزائه الخمسة، ولو تركتني أتكلم عن الرسوم المتحركة والمسلسلات الكرتونية التي شاهدتها  ربما امتد بنا الحديث لساعات. لم أشأ أن أدخل عالم الكبار باكرًا، في داخلي ظلّت تلك الرغبة في الالتصاق بعالمٍ يمنحك كل ما تريد، إحساسٌ بالأمان، والدفء، بالقدرة على تحقيق المستحيل. لا أخجل أن أعترف أنّ آخر مسلسل كرتوني تابعته بشغفٍ وإصرار كان ليس قبل سنوات كثيرة، ربما في الثامنة عشر أو قبلها بقليل. تعجبني أفلام الكرتون بإمكاناتها الساحرة على أخذك إلى أيّ مكانٍ ترغبه، تعجبني القدرة الخارقة لأبطالها، ونجاحهم المؤكد والمضمون في تحقيق أحلامهم.

أذكر الكابتن ماجد ببداياته المتواضعة، وعمله الدؤوب لبناء فريقٍ يستطيع أن ينافس أمهر الفرق، أذكر رابح وصديقه لوكا ومسيرة حياته وصولًا إلى البطولة، أذكر لين الفتاة الصغيرة التي تعاني من زوجة أبيها، أذكر لحن الحياة والمعلمة التي أثبتت مهارتها وجدارتها في أن تكون مربية أجيال، أذكر نوّار وحياة الميتم القاسية. كلّ هذه المسلسلات كانت عالمًا حقيقيًا مرسومًا على الشاشة نهايته بالتأكيد فرحة، عندما أنظر إلى هؤلاء الأبطال أجد فيهم روح الإصرار على تحقيق النجاح، والقدرة على الإيمان بالحلم إلى آخر اللحظات.

كانوا أشخاصًا عاديين، لم يكونوا أبطالًا خارقين، لم يملكوا أسلحةً ذكية ولا أجهزة إلكترونية، كانوا يبتكرون ألعابًا بأيديهم، يستهويهم العالم الخارجي، يسلّيهم تسلق الأشجار والركض تحت الشمس، لم يكونوا منشغلين بعالمٍ افتراضي، كانوا يغرفون الأحداث من الأرض وصولًا للسماء.

ربما وقعت في حب أبطالي، فأنا  من الأشخاص الذين كانوا يستيقظون باكرًا صباحًا لمشاهدة آخر الحلقات. كنت أتأثر بهم، أستقي منهم الشغف اتجاه مواهبهم، ومحاولاتهم المتكررة لتحقيق مرادهم. لا أبالغ إن قلت أنّ رسوم الكرتون هي من يحدد معالم المستقبل. هي من يرسم صورة الجيل اللاحق، هي من يسمهم ويطبعهم بصفة، هي من يختار أحلامهم ويحدد خطواتهم الأولى. لا الأهل ولا المدرسة ولا الوضع الأمني غير المستقر، وحدهم أبطال الكرتون يخبروننا بما علينا أن نفعله.

خذ مثلًا اليابان، فمنذ جيلٍ من الزمن لم يكن لليابان فريق كرة قدم قادر على أن ينافس في البطولات الإقليمية والعالمية فجاء الكابتن ماجد الذي هو ياباني الأصل ليحفّز آلاف الأطفال على اللعب بالكرة وعلى إتقان المهارات التي استطاعت أن تخلق فريقًا يابانيًّا لا يمكن أن تتجاوزه بسهولة.

الرسوم المتحركة تربّي، من يملكها ويملك أفكارها يحدّد صورة المستقبل، يزرع الأمل، يبني جيلًا من صميم مخيلته، يمكن للأطفال أن يكوّنوا ويخرجوا للعالم الحقيقي بألف طريقة.
لم نملك، نحن العرب، صناعة الكرتون. أبطالنا كانوا دومًا مستوردين، لم نر يومًا بطلًا عربيًا يسرق لبّ الأطفال كما فعل غيره من الأبطال الأجانب. كان على أطفالنا أن يشاهدوا مسلسلات كرتونية مدبلجة بعيدة عن روح مجتمعهم.

 وبالأخص في الفترة الأخيرة، حين تغير ذلك العالم، غدى مخيفًا، لم يعد على هذه الأرض، أصبح تسلق الأشجار واللعب بالحجارة وبناء فريق لكرة القدم يلعب في المدينة أمرًا بدائيًا. دخل الأطفال العالم الرقمي من أبوابه الواسعة، كل الرسوم تتحدث الآن عن طفلٍ صغير يجلس أمام شاشة حاسوبه لينقذ العالم من فيروسات مخيفة، لم يعد العالم للأطفال ملونًا صار رماديًا. كرة القدم الأرضية خرجت عن كوكبنا إلى المجرات، الوحوش المترصدة بنا، الأجهزة الإلكترونية التي تسيطر على أرضنا، اختفاء البشر، غياب الحضن الدافئ، تلاشي الأحلام التي تتحقّق بالعمل الدؤوب، فالبطل طفلٍ متكاسل تختاره يدٌ ما لينقذ العالم ولا يكون يملك من مفاتيح النجاح أيًا منها.

غاب الكابتن ماجد، وكل الشخصيات الكرتونية التي تساهم في صنع أطفال اليوم، جيل الغد، ليحل مكانه شخصيات غير متوازنة تخاف من هجومٍ يشنه عليها غرباء، مخلوقات لا أرضية تدخل علينا من عالمٍ افتراضي. عندما أرى طفلي يشاهد أفلام اليوم بما تحتويه من غرابة أتحسّر على الزمن الماضي، أفتقد ماجد بحبّه لأصدقائه بتفانيه لتحقيق أحلامه، بعمله الدؤوب وتدريباته المستمرة، وأنظر إلى المسوخ الغريبة على الشاشة، أنظر إلى الأفكار التي لا تزرع إلّا الخوف من المستقبل، لا أريد لإبني أن يعيش في عالمٍ رقمي، أريد له أن يشاهد الكابتن ماجد، أن يتعلم منه، أن يعرف أن المستقبل يبنى بالعمل، لا أريده أن يعتقد بقدوم الوحوش الرقمية، أو أن يحشر نفسه خلف شاشة الكمبيوتر لينقذ العالم. فكرة المنقذ والمخلص ترهق عقول أطفالنا، تجعلهم يعيشون خلف قضبان الخطر والتهديد، أريد لطفلي أن يتحسّس الأمان، أريد للكابتن ماجد أن يعود.

Advertisements