سنة الوحش

Posted on ديسمبر 31, 2011

0


لا تنظر خلفك، بل تابع المسير، لا تنظر إلى ثورةٍ مشوّهةٍ في سوريا، ولا إلى دوّارٍ محي عن وجه الأرض في البحرين، لا تنظر إلى عهر حكم العساكر في مصر، ولا إلى عودة السلف الصالح في تونس وبلاد الشمس، لا تنظر إلى صكوك البيع لفلسطين، تابع سيرك، لا تنظر إلى الكرامة المسحولة في الشوارع، ولا إلى الشرف القابع في قعر الوادي، لا تنظر إلى سجناء الكلمة الثائرة المخفيين خلف عتمة الزنازين، تابع سيرك، من مات قد مات، والدوام للأحياء.
مبارك ليس هنا، وزين العابدين والقذافي، اختفوا جميعًا من عامنا الذي يقضي آخر أيامه، لم تكن الحياة صعبةً من دونهم، لم نغرق، ربما عشنا معهم قليلًا من الاستقرار المخزي، لكنهم اليوم رحلوا جميعًا، لم نعد نسمع خطاباتهم المملة عن الإصلاح ومحاربة الفساد، فضّلنا اقتلاعه بأيدينا بدل انتظار أربابه.
عامٌ من التمرد على كلّ الأعراف، لم نعد الشعوب التي تمشي في ظلّ الحائط طلبًا للسترة وكفاف اليوم، لم نعد الشعوب التي تسكت على تجبّر عنصرٍ أمني مهمته في الحياة حمايتنا وتأمين كرامتنا على هذي الأرض. تخلينا عن حذرنا من مستقبلٍ لا لون له، توغلنا في المجهول، خسرنا الكثير لكننا ربحنا التاريخ الذي سيذكر الشعوب الثائرة على قدرها.
نحن الشعوب العربية، رمى فينا بوعزيزي شعلة الثورة، التي امتدت إلى الآن عامًا وربما تزيد، تلقينا الرصاص بصدورٍ عارية، داسوا علينا بسلاسل الدبابات وحوافر الجمال، سحلونا، ضربونا، مزقوا ثيابنا بعد أن خلعوا عنهم ما تبقى لهم من أسمال الإنسانية. ورغم بحر العذابات الذي أغرقونا فيه لم تنقطع قلوبنا قبل حناجرنا عن الهتاف مطالبةً بإسقاط النظام. في هذا العام أفقنا، تململنا من سباتنا العميق، استيقظ المارد الساكن فينا.
لم نعد نقبل بالممكن بل صرنا نطلب المستحيل.
هو عام الحرائر، اللواتي لم يهبن الخروج للشوارع، المدافعات بقوةٍ عن حقوقهن، المتخلصات من براثن مجتمعٍ حكم عليهن بالخنوع لعقود. الأنثى الحرّة التي انتزعت شرفها من أيدي الذكور، غيرت مفاهيم الأشياء، ووقفت كإنسانٍ في الساحات والميادين، تحدّت الملايين، رفضت أن توسم بالعار، رفضت أن تبقى مقياسًا للعفّة والطهارة. هي أنثى حرّة كانت في هذا العام وستبقى.
يقضي عام الثورات ساعاته الأخيرة، يجمع أغراضه وأحداثه في حقيبته ليوصلها إلى التاريخ، كان عامًا مارتونيًا بحق، حقّق ما لم يكن بالحسبان، حثّ الجميع على التحرك، طالبهم بتقديم المزيد. حصد الكثير من الأرواح، للأبرياء أكثر من الأشرار، لم يفرّق بين صغيرٍ وكبير، أشعل وميضه بجثثٍ خبّأها في جعبته مساء كل يومٍ بعد غروب شمسٍ لنهارٍ دامٍ من الصراع.
كم كان صعبًا هذا العام، باحتمالاته المشرعة، بمصيره المجهول، بتكالب الأصدقاء عليه قبل الأعداء، العام المتهوّر الذي ضحّى باستقراره المزيف على مذبح الاستقلال.
كبرنا أعوامًا في هذ العام، تكسّر فينا الخوف من الوحش الذي أرعبنا به آبائنا من قبل وكنّا على دربهم سائرون. من يقبل بعد بالذل ليس منا، من يقبل بحكم الجزمة فليرحل عنا، تخلصنا من الصمت الذي جثم على صدورنا لعقود. نستطيع الآن أن نقول بأننا نتنفس، نستطيع أن نشهق ونزفر بحريةٍ نتحسّس خفتها.
العام الجديد ينتظرنا، أريد أن أخلق الأمل، أريد أن أرسم صورةً ورديةً للمستقبل، لن أعيش بكوابيس يلقيها عليّ كل متشائم، لن أعيش في عالمٍ سوداويٍّ بارد، لا يمكن لك أن تتخيل فيه إلّا مشاهد الرعب.
العام لنا، العالم لنا، نختار ألوانه الدافئة لنزين معالم مستقبله، أريد أن أقنع نفسي بأنّ الغد الآتي لا بدّ أن يكون أحلى.

Advertisements
Posted in: عشوائيات