اقتلوا القاتل كي نستريح

Posted on ديسمبر 28, 2011

0


” أشعر بالوحدة تسكن قلبي، أشعر بالحزن غيّم على نفسي، أشعر أني غريبٌ في مكان غريب، بعد أن تخلّت الدنيا عني، وقالت أنت وحيد، فنظرت إلى أصدقائي ليساعدوني، فلم أجد منهم إلّا كلمة أنت وحيد فاولله إنّ الموت أهون لنفسي، فيا ربّي عجّل موعدي.”

يعرفنا الموت، معتادون عليه لا يبدو غريبًا عنّا، الموت لنا عادة، يختارنا ولو كنا في جمعٍ من مليون شخص، يصوّب رصاصه إلى المجهول فنكون هنالك في عمقه ننتظر أن تخترق صدورنا. لم نخن الموت يومًا، حافظنا على قربه منّا كما لو كان رفيق دربنا الدائم. كما يقدّر للبعض العظمة قُدّر لنا الموت، حافظ على التصاقه بنا في كافة المناسبات، أفراحًا كانت أم أحزان، كان الموت لنا فيها عادة.
اعتدنا على الموت أم هو اعتاد قطف أرواحنا الملتصقة بخفّةٍ على شجرة الحياة. الموت لا يعرف أنّنا مذ نولد يصبح رفيقنا، الموت لا يعرف أنّنا لا نستغرب حضوره المبكر، نحن نعرف الموت، خبرناه منذ نعومة أظافرنا، أزحنا الغطاء عن وجهه في أكثر من مرّة، رأينا قعره الذي لا ينتهي، رأينا فمه المفتوح ليبتلعنا، كنا نعرف نهمه  اتجاه أجسادنا، كنا نعرف ولعه بشرب دماءنا. نحن نعرف الموت تمامًا، رأيناه في بيوتنا وشوارعنا، رأيناه رصاصةً طائشة، رأيناه قناصًّا يتجول على سطوح أبنيتنا ينتظر فريسته بشغف، رأيناه خطوطًا وهمية ومتاريس يصطفّ خلفها رجالات الميليشيات.
الثورة تحتضر، تحولت إلى رجلٍ مريض يبحث في الموت عن دواءٍ لألف داء. كانت حلمًا ورديًا في شبابها واليوم صارت أشبه بالكابوس. الثورة كانت حبلى بالأمل واليوم لم تلد إلّا الشقاء والعناء. الثورة لم تعد كما كانت، خطفها الجميع، شوهوها برغباتٍ ومصالح شخصية، تقاتلوا على إرثها وهي ماتزال مولودًا صغير. الثورة لم تعد بريئة، هي أشبه بالنظام اليوم، تمتصّ من روح من آمن بها، تغتسل بدمائهم دون أن تتخلص من أوساخها. هي لم تعد بريئة، تحولت إلى سفاح، تواجه بثقلها في الميزان الاستقرار. إمّا فوضى الثورة أو استقرار النظام، أصبحت هذه المعادلة.
من أين يأتي كل هذا السلاح، الأرض تحولت إلى معسكرٍ كبير، الكل يحمل على خاصرته آلة الموت، يستفزّ من حوله به، يظنّ أنّ بالرصاصة قد يخلق حياة، لكنه لا يعرف أنّ الموت لا يجرّ إلّا الموت.
البيت يحترق، الوطن الكبير يحترق، تلتهم النار كل من في الدار، لا أمان فيه، أصبح القتل عادة، أصبح الأموات مجرد أعداد، يزيدون فقط مع تقدّم الزمن، لا أحد يسأل عن حيواتهم، لا أحد يستفسر عن أحلامهم وطموحاتهم، تحولوا إلى مجرد عدد، لم تعد للموت رهبة في قلوب من يستمع إليه، أرَحل من رحل بتفجيرٍ أو بضع رصاصات. لم يعد أحدٌ يلتفت إلى عدد الأموات.
لو كنت الأسد لرفضت مهرجان القتل الذي أعلنه منذ بدايات الدعوات لإسقاط النظام، لو كنت الأسد لحزمت حقائبي استعدادًا للرحيل، لما آمنت بنظريات المؤامرة التي تستهدف نظام الممانعة، لو كنت الأسد لاعترفت بالحقيقة وما بقيت خلف جدران قصري أجمع الأكاذيب التي أطلقها وأصدقها. لو كنت الأسد لاعترفت أنٌ سوريا لا تحمل اسم شهرتي، وليست ملكًا خاصًا ورثته عن أبي، لو كنت الأسد لما جعلت الشعب وقودًا للنظام وما ضحيت بالوطن على مذبح الكرسي والسلطان.
لست الأسد، لكنني لو كنت الأسد ما سلمت غابتي للظلام وجعلتها عرضةً للوحوش تنهش ما بقي فيها من حياة.
والمعارضة لا تعرف من تكون، لا تعرف كيف تتصرف، هل تندد أم تستنكر، المعارضة ضائعة، بتيهها أضاعت جمالية الثورة، جمالية انتصار الدم على الرصاص، جمالية الجسد المنسحق تحت جنازير الدبابات. المعارضة لا تعرف من تكون، لا تعرف أي ثورةٍ تلبس، المهم لديها أن تنتصر ولو اشترت نصرها بدماء الأبرياء. هي في الخارج تتاجر بمن في الداخل.
الثورة تموت، الثورة تحتضر على يد أبنائها قبل أعدائها. أعمتها نرجسيتها عن رؤية الحقيقية، الثورة لا تعرف ابنة من تكون، هي ضائعة في هذا العالم القاسي الذي لا يرحم. الثورة يقتلها من أشعلها بإيمانٍ ذات مرّة، ليس هكذا تكون الثورات، الثورة لا تعرف الحقد والكراهية، الثورة أمل، الثورة مستقبل، وليست مجرد فعلٍ آنيٍ لا تبعات له.
من اين نأتي بالمسامحة، من أين نأتي بالقلب الكبير ليسع الجميع، أعداءًا كانوا أو أحباب. من أين نأتي بمدافن تسع لكل هؤلاء الأموات، يأبى العام الجديد أن ينتهي بسلام، يأبى أن لا يلوّث ذيله بدماء الأبرياء، كفى قتلًا أيها المجرمون، ثوّارًا كنتم أم أتباع نظام، القاتل مجرم، من يقطف روحًا حيّةً عنوةً هو قاتل.
القاتل حرٌّ طليق، القاتل يشتري الموت، يقوى بالأرواح التي يجمعها، يكبر ويتمدد بعدد ضحاياه، اقتلوا القاتل كي نستريح.

Advertisements