عن نساءٍ من البلاستيك

Posted on ديسمبر 25, 2011

1


تقول الحكاية التي ليست من محض الخيال، أنّ الشرطة تبحث عن رجلٍ يبيع حشوًا لصدور النساء هي بالأصل تُستخدم في صناعة الكنب والمفروشات، وأنّ هذا الحشو حشر في آلاف النهود التي تعود لنساء أوروبا وشمال أفريقيا وقد لا تكون مستبعدةً بلاد الشام. والرجل الهارب هو صاحب شركة فرنسية رائدةٍ في عالم التجميل وفي توفير مواد النفخ والتكبير، أكسبته تجارته تلك ثروةً طائلةً من شدّة الطلب على منتوجاته التي أصبحت من ضروريات البقاء والاستمرار.
تخيل ذلك، مادةّ لا يُعرف كنهها تُزرع في النهود ليتضاعف حجمها، قد تتفاعل معما حولها، وتؤدي إلى نمو أورامٍ خبيثة، لن يكون علاجها إلّا باستئصال الأثداء. نعرف الآن لماذا انتشر السرطان الزهري لهذه الدرجة.
في عالمنا اليوم قد تجد الكثير من النساء اللواتي يمكن لك أن تطلق عليهن لفظ البلاستيك. نساء البلاستيك، تشعر وأنت تحدثهن وكأنّ شيئًا سيقع منهن من كثرة ما حمّلوا وجوههن وأجسادهن موادًا فوق طاقتها. شدٌّ ونفخٌ وتكبير حتى تبقى المرأة مواكبة لمقاييس الجمال العالمية. صار التجميل موضةً رائجة، لم يعد أحدٌ يخجل من يدٍ صناعيةٍ تعيد ترتيب وجهه حسب صورةٍ يضعها في خياله لممثلةٍ أو مطربةٍ ما تصبح حلم حياته.
نساء بلاستيكيات، لا يهرمن ولا يخلف الزمن عليهن آثاره، يجاهدن كي يبقين بأحسن صورة، قد تصل الواحدة منهن إلى حدود الموت فداءًا لعملية شفطٍ وتكبير، قد تصبح شهيدة التنفيخ، قد تتشوّه فلا ينوبها من خطتها التي بدأت بتنفيذها إلّا الندب على علّتها التي خلقتها بيديها وسخطٌ شديدٌ على الطبيب الغبي الذي عجز عن النجاح في عملية تكبير.
نساءٌ بلاستيكيات، لا يعرفن للجمال إلّا تعريفًا واحد، صدرٌ كبير يسع في حضنه كلّ شعوب العالم، وشفاهٌ بارزة تسبق صاحبتها بأمتارٍ بل ربما بأميال، وخدودٌ مرفوعةٌ مكورةٌ كتلالٍ على وجه حاملتها.
من حدّد مفهوم الجمال، من عرّفه ليكون عبارةً عن وجهٍ يجمع على صفحته معالم يجب أن تكبر وتصغر وفقًا لما يرتأيه. صارت النساء متشابهاتٍ إلى حدٍّ كبير، تكاد لا تقدر على التمييز بينهن، كلهن يحملن على رؤوسهن نفس ألوان الشعور، كلهن من الخلف متشابهات، قدٌّ مصقول، ومن الأمام عارمات، ولتفرق بين وجوههن قد تحتاج لدقائق ربما تطول.
متى يعود المعنى الأولي للجمال، يوم كان عبارةً عن تناسق الأطراف و الملامح. متى يعود الأنف إلى سابق عهده، يوم كان حامله لا يستحي من ضخامته أو طلّته الحادة، متى تعود ملامح الزمن لترسم معالمها على وجوه من مرّوا به، متى يعود الكبر والهرم، فلا تبقى الواحدة منّا مشدودةً طوال حياتها.
أمام ما نسمع من أخبارٍ عمّا يستعمله أباطرة العمليات التجميلية لإعادة هيكلة الإنسان، أمام حشوة السليكون التي تبين أنها معدّةٌ لتنجيد المفروشات، وأمام الكثير من الفضائح والفشل في فضاء ذلك العالم الذي دخلت إليه النساء من أوسع الأبواب. لا بدّ أن نتساءل عن الأورام الخبيثة التي تتفشى كالنار في الهشيم، من المسؤول عن حمايتنا من تجارة الطب والأطباء، متى تستيقظ النساء من خدرها المفروض عليها من روح العصر المادية التي جعلت من الجسد حالةً مقدسةً ورمت بعيدًا بعيدًا بالروح.
متى تستيقظ النساء من خدرها الذي أذهب عقولهن وجعلهن سلعةً يتطاول عليها كل من رغب في تحقيق مأربٍ ما. الجمال ليس حالةً شديدة التعقيد، الجمال ليس قالبًا واحدًا تصبّ المرأة على أساسه وإن كانت لا تشبهه انتفى جمالها، الجمال روحٌ معطاء، ابتسامةٌ قادرةٌ على خلق الحياة، ترنيمةٌ تنقذ المجتمع من الغرق في بحر الخيالات.

Advertisements