ملعب الشياطين

Posted on ديسمبر 24, 2011

0


منذ اندلعت الثورة في سوريا، لم يقدر أحدٌ على تحديد موقفٍ واضح يقود الوطن والشعب إلى بر الأمان.
النظام لم يصدق أنّ زمام الأمور تفلت من يديه، بعد كلّ تلك العقود من الحكم المنضبط على إيقاعٍ واحد، يوم كان الرئيس يتكلم والشعب يهلل ويصفق.
الناس وقود الثورة احتاروا إلى من يلجئون، حاولوا إسقاط ما يجري في محيطهم على بلادهم، مجلسٌ انتقالي يتجول بين دول القرار بحثًا عن دعم ولو أتاه من الشيطان، وشعبٌ يزداد عدد موتاه كلما سقطت الشمس نحو الغروب.
غدت سوريا كحكايةٍ من الخيال، لم يعد مسموحٌ لنا أن نصدّق أي شيء، كل ما نعرفه أنّ الدم يجري هناك، لكننا لا نعرف لمن يعود. أساسيات المعركة والاقتتال تبدو ظاهرة، لا أحد يخفيها ولا أحد يرغب في كسر بوادر الشر التي ترافقها. المعركة واقعة لا محال.
النظام يتغذى ويكبر، رغم طول الأيام، لم يتعب ولم ينهك، ولا يبدو أنه يهتم كثيرًا إن جرجر البلاد إلى أتون حربٍ تعيد تحديد الأحجام. النظام لم يمل أو ييأس، رئيسه دخل في سباتٍ موسمي، لن يستيقظ منه إلّا والثورة تضع أوزارها، الرئيس لن يرحل ولو حزم الشعب أغراضه وقرر الرحيل، النظام سيقاتل للرمق الأخير، اقتنع بلعبة التوازنات والمؤمرات الخارجية، ولن يصدق أنّ هناك من يطالب بإسقاطه دون أن يكون مندسًا أو عميل.
إنها لعبةٌ كبرى، الخاسر فيها يغدو عرضةً للتقسيم، لعبةٌ لا يدخل في حساباتها الشعب وماذا يريد، أصلًا لا تعريف فيها لمن يسكن الأرض ويصبر على حكمٍ لئيم، الشعب مجرد حطبٍ لنارٍ ستعيد خلط الأمور وتشكيل المعسكرات، الشعب لا وجود له.. لن يكتشف الشعب ذلك الآن، لكن بعد أن تمتلأ جدرانه بصورٍ لموتى كانوا عمّا قريبٍ أحياء.
لن نندب سوريا بعد الآن، لن نقف على الأطلال كما عادة من لا يقدر على فعل شيء. هي الآن اختارت أصعب الدروب، موتٌ كثيرٌ ودمٌ أكثر ومستقبلٌ أسودٌ ملبدٌ بالغيوم. القاعدة تعلن عودتها بأساليبها القديمة التي لا تشيع إلّا الخوف والخراب، أجسادٌ فيها قنابل موقوتة وسياراتٌ مفخخةٌ تستسهل القتل بالجملة. الحرب الأهلية تبدو وكأنها تطبخ على نارٍ هادئة، الربيع الذي تكلم الجميع عن قرب حلوله انقلب إلى شتاءٍ قارصٍ لا يرحم.
سوريا لا تعرف كيف تتخلص من مأزقها، تبدو اللعنة التي تلاحقها أقسى مما تخيلته، نظام متشبثٌ حتى آخر نفس، ومعارضةٌ ضائعةٌ لا تتفق إلّا على أسماء لجمعةٍ تلحق بأختها. هل هنالك من أمل، أم أنّ الأيام القادمة ستجعلنا نترحم على استقراريةٍ كان يحافظ عليها النظام.
لن أدافع عن رئيسٍ أعلم أنه يقتل شعبه، يساوم على كرسيه بكل ما يملك، ليست البلاد إرثٌ له، ولا هو حامي الحمى وقائد ألوية الحق. أعرف أنه قاتل، أعرف أنه يخرس كل فمٍ يخالف ما يودّ أن يسمعه. أعرف أنه يصافح من تحت الطاولة، ومستعد أن يبيعنا كلنا عندما يعجبه الثمن الذي يفاوض عليه.
لن أدافع عن معارضةٍ لا تعرف ماذا تريد، ولا في أي اتجاه تذهب. تؤمن بالحلم الأميركي الخبيث، تلجأ إلى الشيطان كي تحقق ما لديها من مطالب، تبيع كل أولوياتها لقاء حفنةٍ من خيارات يقدمها كل مستفيد. أعرف أن المعارضة تلك لا تعرف شيئًا مما يدور في البلاد، هي مجرد مشاهد، تتاجر بدمٍ غالٍ لتشتري به الرخيص.
لن أدافع إلّا عن سوريا، سوريا الوطن، سوريا الأرض و الشعب، سوريا التي أثبتت قدرتها على البقاء رغم أعتى الظروف، تقف في وجه أي عاصفة كالطود الشامخ. كفى كلامًا أيها الناس، كفى تحليلًا ونظريات، سوريا ليست السودان، وليست ليبيا وليست تونس وليست العراق، سوريا هي سوريا، لا بد أن تنتفض من تحت الرماد.
هي لعبة، يعرف الجميع أنها لعبة، إلّا سوريا، هي لعبة يشارك فيها الخبثاء بكل ما يملكون من حيلٍ ودهاء، يذرفون الدموع على دمشق وكأنها تحتاج لعواطفهم أو لشفقتهم. ما تحتاجه سوريا أن تعرف أنها في خضم لعبةٍ مميتة، قد لا تخرج منها سالمة، لكن عليها أن تتدارك الوضع لتخرج بأقل الخسائر الممكنة. لا تريد سوريا دموعنا، ولا وقوفنا على أطلالها، هي تريد منا أن نكف عن التآمر عليها، أن نصدّق ما يجري على أرضها من وحشيةٍ ودمار، أن لا ندافع عن النظام بخيانة المعارضة، ولا نؤمن للمعارضة التي تقذف نفسها في أحضان غربية إسرائيلية كرمى لتدّخلٍ خارجي يزيل النظام.
إفتح عينيك للحقيقة، لا نظام بريء، لا دول خارجية تساعد من أجل إحلال الحرية والديموقراطية، وحده الشعب من عليه أن ينهض، قد يقدم مليون شهيد، لكن وحده من يعرف الاتجاه والطريق، هو ليس ضائع، لكنهم أعموا على قلبه. سوريا لا تريد أحدًا بقدر ما تريد من شعبها أن يقف كالبنيان المرصوص في وجه مخططات النظام، ومصالح الخارج، وعودة القاعدة لإعلان إمارة الشام.
سوريا تريد شعبها… وكفى.

Advertisements