الزمن القديم الذي لا يرحم عاد، إعرف ماذا تريد

Posted on ديسمبر 21, 2011

0


سقط كلّ شيء، علينا أن نحارب منذ الآن في عالمٍ قد لا يدافع عنّا. لن ينقذنا أحدٌ ممّا نحن فيه، لن تمتد أي يدٍ لتنتشلنا بعيدًا عن السحل في الشوراع. عاد الزمن القديم، كل من تسوّل نفسه أن يلهج بفكرةً جديدة، يدمّر. عاد الزمن القديم الذي لا يرحم. المهم عنده أن يبقى واقفًا شامخًا ولو على جثث قتلاه. في كل مرّة تستسلم فيها الضحية لقاتلاها تمنحه قوة لاختيار ضحية أخرى. لن ينفع الكلام ولو كثر، لن ينفع التنديد والرفض والاستنكار. نعيش اليوم في عالمٍ يزداد بشاعةً كلّما احتكينا به أكثر، كلما طالبناه بأمور نعتقد أنها من حقنا، يصبح معها أكثر قسوةً وانتقائية، لا يستحي تبرير العنف، لا يخجل من حثّ الناس على التزام البيوت لتخليصهم من حفنة الأشرار الذين أبوا أن يفضّوا الاعتصام.

كل شيءٍ سقط، كل المفاهيم التي نطالب بها ذابت مع الدماء الجارية. قليلٌ من الحرية، رشّة من الديموقراطية وبعض مشاركةٍ صاروا محضّ هراء. ما قد يكفينا الآن في هذه المرحلة هو القدرة على قول الكلمة المنطوقة دون خوفٍ من جلّاد. أن نتفوه بما نريد بصوتٍ عالٍ دون أن يقذفنا أحدٌ ككومةٍ باليةٍ في داخل سيارةٍ مظللة المعالم، أن نصرخ دون خوفٍ من يدٍ تمتد لتسكتنا أو ركلةٍ من جزمةٍ عسكرية توقف قلبنا عن القفز في محلّه.

كل شيءٍ سقط، مفهوم الإنسان الذي أنجبته الثورات، السلمية التي ترفض خوض غمار السلاح ولو كان الرصاص ينزل عليها كزخ المطر، القدرة على أن نكون أصحاب القرار دون دعوة خارجية بتحمل العبأ عنا ومساعدتنا لتحقيق الأهداف التي رسمناها ذات يوم قررنا فيه الخروج لإسقاط النظام.

النظام يدافع عن نفسه بشراسة، لن يرفع يديه من أول صرخةٍ تهزّ عرشه، لن يقبل بهذه السهولة أن يتخلى عن كل محسوسٍ يملكه بين يديه، النظام يعرف ماذا يريد، يعرف أنّ عليه فقط أن يحافظ على حكمه، أن يبقى واقفًا في وجه الإعصار الذي يمرّ بداره. لن يلجأ إلى الشيطان، فلديه أساليبه المبتكرة التي تفزع الشيطان حتى من نفسه.

لكن من يخرج، وحده لا يعرف ماذا يريد، وضع أمامه هدفًا واحدًا هو إسقاط من مازال يحكمه منذ زمن أبيه، قد يلجأ إلى الشيطان حتى تتحقق أمنياته، سيلتقط أي يد تمتد لتساعده، سيتعلّق بقشة أمل، بلوحٍ من خشبٍ رماه إليه من يعرف أنّه عدوّه ومن يعرف أطماعه ونفاقه لكنه أبدًا يحاول إقناع نفسه ببراءة نواياه.

من يخرج من بيته عليه أن يعرف ماذا يريد، أن لا يذهب بعيدًا بشطحات أحلامه، أن لا يجبل بيديه صنمًا آخر يعبده مكان من يرغب بإسقاطه. عليه أن يعرف ماذا يريد، أن يوقن أنه يصنع مرحلة تاريخية، وبأنه يرسم بدمه وروحه لوحةً ستعلّق على حائط المستقبل.

من يخرج من بيته لن يكون همجًا يمشي وفقًا لرغبات قدميه العاريتين، هذا العالم لم يعد يسمح بالضياع، ففي لحظات فراغك قد ينقضّ عليك من يغير وجهة مخطاطاتك بطريقةٍ أبدية. لم يعد هنالك من مكانٍ للتأمل والتفكّر وكأن لا شيء بانتظارنا، وكأن لا عيون تنتظر أن نقع  لتسحلنا وتلصقنا بغبار الأرض.

المكان الآن للقوي، لمن يملك عقلًا يتربع على جسده، لا يسير وفقًا لردّات فعل بل يكون الفعل نفسه. لا يسمح بعقد صفقات تحت طاولة الوطن، لا يشتري كرسيا بمواقف يطلقها عن عبث، لا يبيع روح شعبه بحفنة من مصالح وضمانات تضعه على رأس الحكم.

كل شيءٍ سقط، وما نواجهه اليوم بصدورنا العارية سيتحول إلى خيوطٍ نحيك بها أثوابًا تليق بنا كشعوبٍ آمنت بهدفها وسعت بكل قوتها لتحقيقه.

الوطن ليس عبئًا بقدر ما تبذل له من روحك ينمو ويزهر، لن يخضرّ وطنٌ شعبه لا يؤمن به، لن يقوم وطنٌ قطعوه وتقاسموا حصصه على موائدهم العامرة.

الويل للوطن إذا شُرّح، الويل لشعب ينقسم إلى شعوب ويسأل عن منطقته. 

 

Advertisements
Posted in: عشوائيات