هي أنثى التحرير وليست صاحبة الحمّالات الزرقاء، وليس من شأنك أن تعرف لماذا لم ترتدِ كنزةً تحت عباءتها السوداء.

Posted on ديسمبر 20, 2011

0


وحدها من تعرف من تكون، وحدها تجلس الآن أمام شاشة حاسوبها تتأمل بصورتها دون أن يرفّ لها جفن، وحدها قد تكون تتابع اعتصامها المفتوح في الميدان، علّ زمن العسكر ينتهي دون رجعة. هي تعرف من تكون، لا تنتظر من أحدٍ أن يدافع عنها، أو أن يضفي على صورتها بريقًا مقدّسًا يجعل منها أيقونة، تملك من الكرامة ما قد توّزعه على الطنطاوي وجنده مجتمعين، في وجهها الذي لم يره أحد ملامح الثورة دائمة، رفضٌ لمن يعلن نهايتها، في استسلامها لعنف من جرجرها عزّةٌ و إباء.
هي مجرد أنثى من إيناث التحرير، هي من تقول، أنثى حملت في جعبتها القليل من الأحلام العادية، كانت تسأل عن حمايةٍ من مجتمعٍ ينقضّ عليها، لا يخجل حشر يديه بين نهديها، دون أن تشفع تهديدات بالشرطة والقانون، فرجال الأمن وحدهم يملكون أكبر نصيب. أنثى التحرير خرجت في صباحٍ عادي إلى الميدان كما العادة، هي لا تقبل بثورةٍ ناقصة، هي لا تؤمن بخزعبلات يتفوّه بها أزلام النظام السابق، هي تعرف أنّ لكلّ فرعونٍ هامان، والمشير ذاك لا مصر معه سيدةٌ حرّة مستقلة.
أنثى التحرير رأت ما لم تره الجامعة العربية التي يحدث ما يحدث في عقر دارها. رأت ضربًا مبرحًا لشبابٍ لا يقبلون بأن تسير الأمور كما مخطّطٌ لها، يرفضون الخضوع لتهديدات الإفلاس والاقتصاد، يرفضون الخنوع لرجالات الفساد، العسكر ما يزال كما هو، لم يتغير، نفس القسوة التي كانت في عهد مبارك يعاد تمثيلها هنا.
أنثى التحرير التي خرجت ذاك الصباح، كانت تظن أن مصر ما بعد الثورة ليست كما قبلها، حاولت أن تؤمن رغم كل ما يجري بستّ الدنيا، لا يمكن للوضع أن يسوء، مبارك ليس هنا، مصر تختلف الآن، نفضت عن سمعتها شائعات الاعتداءات، الجيش من الشعب، هذا ما قالته وقتها، قبل أن تدخل في جماعات الشباب الثائرة.
أنثى التحرير لم تعرف أنّ جسدها بعد قليل سيكون عرضةً لملايين العيون، لم تعرف أنّ صورتها تلك والجند حولها يسحبونها ورائهم ستهزّ العالم وتصرخ في أصداء الأرض أنّ مصر ليست بخير، يمتصّ روحها العسكر، يستفزّ شرفها. هذه ليست المرة الأولى التي يجري فيها ذلك، فأنثى التحرير تلك سبقها مئات الإيناث بل ربما الآلاف، ممن عرّاهم أصحاب البزّز المرقطة واعتدوا على أجسادهن.
الصورة التي هزّت العالم لم تهزّ الجامعة العربية لتعلّق عضوية دولة العسكر وتفرض عليها عقوباتٍ تأديبية. الجسد الذي نال ما نال من هتكٍ لقدسيته الإنسانية، لم يدفع قطر لترسل مبعوثها الخاص برسالةٍ شديدة اللهجة، لم نسمع أحدًا يهدّد ويتوعد بتدخلٍ يخلّص مصر من بيوت الدعارة التي فتحها العسكر على حسابه.
هي وحدها تعرف من تكون، أخفت وجهها عنا حتى تظلّ أنثى ولا تتحول إلى مجرد اسم، هي أنثى نزلت بكامل إرادتها إلى التحرير، وهتكها الجيش الذي من المفروض عليه أن يحميها.
سياسةٌ جديدةٌ للضغط على من بقي من الثوّار، إما الرحيل أو هتك الأعراض. لكن الجيش لا يدري أنّ من رحم هؤلاء النساء تولد الحرية، من أجسادهن العارية ينتفض الشعب ويخلع عنه رداء الاستسلام، العسكر يكذب، الطنطاوي يكذب، أنثى التحرير تقول.

Advertisements