جميلٌ أن يموت الديكتاتور

Posted on ديسمبر 19, 2011

0


جميلٌ أن يموت الديكتاتور، جميلٌ أن نجد من هو أقوى منه، من هو قادرٌ على أن يقف في وجهه دون أن ينهار تحت بطشه. جميلٌ أن يكون الموت هو الحل الأمثل لرحيله توفيرًا لسفك الدماء، جميلٌ أن تنزل الصورة الأبدية المعلقة على الحائط بعد طول عقود يتوارثها الأبناء عن الآباء.
كم يبدو مضحكًا رحيل الديكتاتور، يغيب من ذاكرة الأفراد، ينزاح عنه غطاء الرعب، يصبح إنسانًا عاديًا، قد يمرض ويموت. الديكتاتور بشريٌّ إذن، ليس نوعًا خاصًا من الكائنات، هو مثلنا يتنفس وينام. كم يبدو بسيطًا وغير مخيفٍ وهو ممددٌ دون حراك، لن يقوم، اطمئنوا فالديكتاتور إذا مات استراح.
تنضغط سنوات عهده في بؤرةٍ من الزمن، ينسى فيها الناس قسوته وبطشه، قد يهزّهم الحنين إليه، قد تسيطر ذكراه على وعيهم الجماعي، لا يقدرون على الخروج من هالته، لا تزول من عقولهم صورٌ جمعوها على مدى أعوام، وكلماتٍ ردّدوها عن ظهر قلب، قد يتطهّر الأخ الكبير، تطفو حسناته من قلب قبره المظلم. يحلو للعامة تجميل صورة موتاهم، يغزلون بكلامهم لوحاتٍ عن البطل الذي وقف كالطود بوجه الجبابير.
الديكتاتور الصامت رحل، سحب نفسه من محور الشر الذي كان أحد أطرافه ومضى، لم نسمعه يومًا وما حكى لنا أحدٌ قصصًا عن قسوته، كل ما نعرفه عنه هو وجهه الصامت الجامد، لا تعابير تسكن ملامحه، لم نره يومًا مبتسمًا، لم نعرف عنه شيئًا. كل ما نذكره هو تصنيفه من بين دول محور الشر حسب المقياس الأميركي، وقيامه بين الحين والآخر باستفزازٍ عسكري.
كانت كوريا تعيش لوحدها وكأنها بعيدةٌ عن العالم، أو كان هو من يعيش لوحده لا تمسه حرارة الكون المتزايدة، يفعل ما يريد، يحكم كأي ديكتاتور، كلامه المفيد، سلطته العليا، حكمه الظالم هو العدل. لم يصرخ أحدٌ مطالبًا بالإفراج عن الشعب الكوري، لم نسمع عن معتقلين سياسيين ولا عن قتلى ذهبوا ضحية نظامه، يحلو للعالم أن يبرز ما يريد، وكأنّ كوريا أرضٌ فارغة إلّا من زعيمٍ وعائلته ومنشآتٍ نووية. هل يأكل هذا الشعب، لا أحد يجيب، هل يتكلم، لم يسمع صوته أحدٌ من قبل، يأكّد الجميع.
المهم الآن أنّ الديكتاتور سقط، بسهولة تساقط أوراق الخريف، ليتهم جميعًا يرحلون بذات الطريقة، يخفّفون على الشعب شهداء وضحايا. الديكتاتور سقط، لكنّ آخرًا جاء ليتربّع مكانه، ورث الكرسي عنه كجزءٍ من متاع، الابن حلّ محل الأب. استلم زمام الديكتاتورية، لماذا على الشعب أن يظلّ واقعًا بين مطرقة الأب وسندان الأبناء، وحده الشعب من يحدّد قدره في هذه النقطة المفصلية التي يخلقها التاريخ أملًا بالتغيير، التقاء الموت بالحياة، الفاصل الزمني بين موت الملك وارتقاء آخر. التاريخ يحاول إضاءة نقطةٍ في هذا النفق المظلم للزمن، يمنح الشعب فرصةً بالتغيير، إمّا الاستسلام لرغبة الديكتاتور أو الانقلاب، وحده الشعب من يملك الخيار.
محور الشر ينهار دولةً إثر أخرى، لم يبقى إلّا إيران. كوريا ما أشبهك بسوريا، تحذوان الدرب نفسه، يموت الزعيم ليحيا الابن الزعيم، يُمحى القانون يمزق حتى لا تغيب عن سمائنا شمس العائلة الحاكمة. لسنا وحدنا في هذا العالم من يعاني من استئثار الحاكم بالحكم، لسنا وحدنا من يعبد منطق التوريث. على هذه الأرض الكثير من الشعوب المظلومة، على هذه الأرض الكثير من القتل الصامت، على هذه الأرض الكثير من المجرمين.
جميلٌ أن يموت الديكتاتور، جميلٌ أن نتخلص منه بسلطة القضاء والقدر.
الديكتاتور واحدٌ أينما كان والشعب واحدٌ أينما عاش.

Advertisements