تبّت يد العسكر

Posted on ديسمبر 18, 2011

0


ربما أخطئنا، فالألم لم يزل مع أنّ الرأس زال. العسكر يهيم في البلاد، لا يقيم وزنًا لأحد، يتصرف كما لو كان الحاكم الأبدي لا الحامي للشعب بعد سقوط النظام. العسكر يدوس الكرامة بجزمته، كدبابةٍ تطحن كل ما مر تحت سلاسلها وتحيلها إلى غبار.
كلّ الكلام سقط، لم يعد هنالك من أمل، مصر تندب حكم العسكر، تتأوه على ثورةٍ سُرقت وحقٍّ ضاع. لا عذر قد يبرر مشاهد العنف، لا اعتذار يعيد ماء الوجه، صور الاضطهاد والضرب، مشاهد التعرية والتنكيل كلّها تفضح الجسد الذي ما مات بعد حزّ الرأس.
كلّ الكلام عن خسائر اقتصادية، وعن أزمات تسببها استمرارية الثورة، محض هراء، لا شيء يبرر العنف، كل الجيوش تتحجج بالأمن والسلام وهي وحدها من يفض اعتصامًا سلميًا أو مظاهرةً عفوية بكلّ ما أوتيت من قوةٍ وسلاح. ًً ً ً ً
مصر، من حقّك أن لا تحلمي بعد الآن، فلا شيء ممّا يجري يدعو للتفاؤل. لا شيء يخبرك أنّ الأمور ستؤول للأفضل. وكأنّ ظلّ مبارك لم يختفي، نسمع وشوشته في الخفاء لإسكات كل من يرغب بالتغيير. نرى يده وهي تلوّح بالأوامر، وكأنّ مبارك لم يزل، بل ربما استنسخوه ليغدو ألف مبارك.
العسكر استنفد ما يملك من أحاسيس إنسانية، تجرّد من مشاعره، صار لا يخجل قتل شعبه، يصوب اتجاهه كل ما يملكه بين يديه، لا يقبل إلّا أن يهاجم، من يوّجه له الصاع يردّه صاعين، يوافق أن يهزم بمعركةٍ مع عدوّه لكن ليس مع شعبه، فذاك له الويل من ناره.
الجندي إذا ما ارتدى بزّته، يتحول إلى كائنٍ آخر، يؤمن بأنّ ما على الأرض من أرواح ملك يديه، يتصرف بطيشٍ ورعونةٍ ما دام يجلس خلف متاريسه. لا يفكّر إن كان من يقتله قد يكون زميلًا له على مقاعد الدراسة القديمة، لا ينظر في عيني من يعرّيها خوفًا من أن تكون زوجته، لا يرى في من يعتدي عليهم إخوته. الجندي يتجرد من إنسانيته إذا ما ارتدى البزّة العسكرية، يرى في الموت وجهةً طبيعية، فالرصاص واحد لا فرق لديه في أي أرضٍ يطلقه، يتحوّل الجندي إلى آلةٍ لتنفيذ الأوامر العليا، لا شيء مقدس في نظره إلّا من يعلوه رتبةً ونجمة.
لا يكون جنديًا إن لم يعتبر الجيش عائلته النهائية، يقسو قلبه، يترائى له أنّ بتنفيذ الأوامر مصلحةٌ ضرورية ليس من واجبه أن يفهمها. قد لا يجد وقتًا للتفكير بما فعله، قد لا يجد وقتًا ليندم، حياته تحركاتٌ مستمرة وأوامر متلاحقة، لا وقت لديه لإحصاء قتلاه، يرمي رصاصه ويمشي دون أن ينظر ما أصاب. لا أحد يحاسبه، فهو العسكر، وهو الحامي، أرواحهم بين يديه، مصيرهم معلق برشّاشه.
العسكر إذا طغى مخيف، لا يأبه بمن دونه، أمنه خطٌّ أحمر، لا يهمّه مجتمعٌ ولا حريةٌ اجتماعية، فهو لا يتقن فن الإصغاء. بين يديه مهمّةٌ ينفذّها وكفى. لا يعير أذنًا لمطالب تنادي بالمشاركة، حكمه واحد لا شريك له. العسكر إن سيطر لا ينزاح بسهولة، يرى في نفسه ضرورةً لا يمكن الاستغناء عنها، يرى في بندقيته قدسيةً تضفيها عليها شعاراتٌ وحده من آمن بها.
الشعب والجيش ليسا يدًا واحدة، الجيش يسخر من الشعب، يستخفّ به، يضحك منه خفيةً، والشعب يصدّق الجيش. الشعب يريد من يسانده في وجه عدوّه، الشعب يريد للجيش أن يحميه من البندقية التي يحملها، لا يريد لسيارةٍ عسكريةٍ أن تدهس ناسه، الشعب يريد أن يكتفي بطاغيةٍ واحد، يسقطه ويتابع سيره، لا يريد الشعب للجيش أن ينقلب إلى فرعون آخر، لكن الجيش لا يفقه لمطالب الشعب، وحده ينفذ ما يراه مناسبًا، حالة طوارئ، حكومةٌ عسكرية، مجلس يهيمن عليه ظلّ العسكر، رئيسٌ يخاف قائدًاأعلى..هذا ما يريده الجيش.
الويل لعسكرٍ لا يطلقون رصاصةً واحدةً على حدود بلادهم، يقبلون الذل في معاركهم مع أعدائهم ويتجبرون على شعبهم. هذا الجيش لا يدري أنّه ملكٌ للشعب، يرى في نفسه شيئًا مستقلًا، قد يغدو دولةً في دولة، هذا الجيش لا يدري أنّ البندقية الظالمة لا تدوم، وبأنّ من يطلق الرصاص دون حق هو مجرمٌ ولو كان بزيّ عسكري.
الويل للعسكر الذي يمنع بزوغ الربيع، الويل للعسكر الذي لا يستحي التنكيل بشعبه، الويل للعسكر الذي يهتك الشرف ويدوس الكرامة، ويخاف من سماع صدى صراخاتٍ تخالف كلامه، الويل للعسكر الذي يحمي كل ظالم من أن يصل إلى يدي المظلوم.
الشعب يريد إسقاط حكم العسكر، ليس حلمًا ولا دفعًا نحو الفوضى والاضطراب، فالنفق المظلم دخلناه ولم نخرج منه، فلتكن فوضى فهي لم تنتهي بعد حتى نخاف.

Advertisements