لو أحرقتنا جميعًا

Posted on ديسمبر 17, 2011

0


قبل أن تمسك عود الكبريت بيديك، قبل أن تسكب على ملابسك مادةً قابلةً للاشتعال، قبل أن ينتفض كبرياءك وتهتزّ عزّة نفسك، فكّرتُ، لو كنت أحرقت الأمة بكاملها بدلًا من أن تحرق جسدك. لو كنت حكمت علينا بمصيرٍ تراجيديّ يُمحي تاريخ الخنوع الذي يرافقنا، لو نطقت فقط وأخبرتنا بأنّ على هذه الأرض حقًّا ما لا يستأهل الحياة، لتخرج نارك اللاذعة التي سكنت غضبك وتقذفها على مدننا وقرانا وساحاتنا وبيوتنا.
كم كان الخبر عاديًا وقتها، كم كان ساذجًا وأبلهً، شابٌ يحرق نفسه، أضرم النيران في جسده احتجاجًا على أوضاع معيشية مزرية يعاني منها كل عربي، رجلٌ انتفض كبريائه من صفعةٍ حكومية، الذل والإهانة ما زالت تلاحقنا كلعنةٍ كُتبت علينا منذ الأزل. كيف لإنسان بكامل وعيه، أن يحتجّ بهذه الطريقة، لماذا لم تصمت كما عادتنا في البلاد العربية، لماذا لم تصرخ بألمٍ وتكتفي بلعن الأوطان التي ضاقت بظلمها على أهلها، قررت فقط أن تذوي بصمت، قررت أن تكون الشعاع الذي يضيء ظلمة النهار في مدينتك بدل أن تكتفي بلعن الظلام.
محمد بو عزيزي، كم كنت أنانيًا في رحيلك هكذا، بعشوائيةٍ و لا مبالاة، بل ربما بضجر، اتخذت قرارًا بسيطًا كنت تعلم أنّه سيريحك لعقود، هذه الأوطان لا أمل فيها، لا أمان لناسها، تسكنهم الرغبة بالاستبداد، تسري في عروقهم دماء الظلم، يقتلهم حبّهم الواحد لحاكمٍ واحد، لحزبٍ واحد. يستهويهم تغيير الدكتاتوريات كما يغيرون ثيابهم، هكذا هم، ذنبهم يسكن في نفوسهم، خطيئتهم أنهم لا يعرفون ذواتهم، يجهلون ما يريدون، يعميهم خبزٌ أو مالٌ عن حقيقة الأمور، يخدعون أنفسهم بحجج واهية، ينصّبون فرعونًا مكان آخر ليتسائلووا بعد سنينٍ من الإجحاف والحقوق المهدورة عن الأيدي التي انتخبت الرئيس. تقتلهم الطاعة العمياء، يخيفهم التغيير، هكذا هم، هكذا قدرهم.
أتساءل لماذا لا يذكر أحدٌ الشرطية التي صفعتك، أين أصبحت الآن، هل ندمت على ما قامت به، هل استفاقت من خدر النظام، أرغب في أن أسمع رأيها بما آلت إليه الأمور، فإذا كنت أنت شعلة الربيع العربي، فصفعتها تلك، يدها التي امتدت لترتطم بوجهك كانت الشرارة.
لماذا لم تشعل النار فينا كما في حريق لندن العظيم، لماذا رفضت أن تقلّد التاريخ، شرارةٌ صغيرة، تنطلق بعفوية وعشوائية لتحرق الوطن بما فيه وبمن فيه. نحتاج لأكثر من جسدٍ كي نستيقظ، لتدبّ فينا رائحة العنفوان. نحتاج لأكثر من جسدٍ كي نكتشف أن النظام ليس الرئيس وحسب، وأنّ اقتلاعك للرأس لا يعني بالضرورة موت الجسد، الحالة هنا تخرج عن نطاق المألوف، تدخل في قصص الخيال، عن الوحش الذي كلما قطعت منه جزءًا، ترمّم وازداد في بطشه وقوته. الجسد الذي لا ينتهي، يتغلغل في قلب الشعب، كورم سرطانيّ ينتشر ولا يُعرف له من دواءٍ إلّا بيد الشعب الذي إن أراد وصمم كان له الشفاء.
بوعزيزي الذي ينظر من السماء صوب الأرض، يتوّقع أن يرى شيئًا جديدًا، أوطانًا تتهدل على أجساد شعوبها، أناسًا لم يعد الكلام جريمتهم الكبرى، لكنه لا يرى إلّا عريًا. شعوبٌ خلعت ما كانت تلبس وأخرى تحاول خلع ما يسترها دون أن تنجح. عريًا يفضح معًا شعبًا وفلول نظام.
بو عزيزي ينظر إلينا من السماء، يعتقد أنّه سيرى الجنة التي ضحّى بجسده قربانًا كي تظهر، يعتقد أنّه سيرى نورًا مايزال يشعّ من وهج جسده، لكنه لا يدري أنّ جسده قد أهيل عليه التراب، وأنّ شعلته انطفئت من كثرة ما سالت دماء. بوعزيزي اعتقد بأنّ بإحراقه جسده سيخترع طريقةً في الموت جديدة، لا رؤوس فيها ولا دماء، لكنه عبثًا لم يدري أنّ الموت يفضّل أكثر الطريق تقليديةً لقطف الأرواح.
بو عزيزي احترق ومات.
ونحن نحترق لكننا ما نزال أحياء.

Advertisements