متى يُمطر اللبنانيون

Posted on ديسمبر 15, 2011

0


لا أريد أن أضع العصي في الدواليب، لكنني أكاد أجزم أن خللًا جينيًا مصابون به نحن اللبنانيون. نعرف أن لا دولة كدولتنا، تمسك بزمام أمورها عصبةٌ من أباطرة حربٍ لا نزال نتوارثها جيلًا بعد جيل. نعرف أنّ لا دولة تسكن تحت جنح الظلام متناسيةً أنّنا في القرن الواحد والعشرين ومتجاهرةً بحداثتها عن باقي ما يحيطها من دول. نعرف أن الفساد أصبح أنهارًا جارية، والمحسوبيات والوساطات من لزومات البقاء. نعرف أنّنا ننتخب نفس الرؤوس كل أربع سنين، ونعرف أنّ من ننتخبهم يرموننا بلعنةٍ من الجحيم المستمر، ومع ذلك يتمكنون من شرائنا بخزان وقودٍ لن يكفينا رحلةً من الشاطئ إلى الجبل متغنين بقرب المسافات.
نعرف أنّنا مظلمون، وبأن لا دولة تحمينا، وبأنّنا واقعون بين مطرقة الزعماء وزعرانهم وسندان الطائفية وكنتوناتها. نعرف أنّه يتحتم علينا أن نقلع النظام من جذوره ونضع كلّ من له صلةٌ بالسياسة، وكلّ من خطب في مجلس الأمة لصالح فريقٍ معين يطالب بخدمته وحمايته، في باخرةٍ نطلقها لتصل إلى أميركا جديدة يطئونها ويريحوننا.
في لبنان، وكلبنانيين، نعرف أن مطالبنا لن تتحقق لأننا نخاطب زمرةً لا تفقه الإصغاء، وعودهم مجرد فقاعاتٍ من الصابون، تهدئةٌ عرضيةٌ حتى تتحقق المصالح، يحكموننا بماضيهم مدّعين أنهم يصنعون المستقبل، التصقوا بالكراسي، يتزلفون إليك مع نهاية كل موسم، يوفرون لك ما تريده ولو كان لبن العصفور، يشترون لك تذاكر الطائرة إن كنت خارج البلاد لضمان صوتك، يعبأون خزان وقودك، يحصلون على ضميرك لقاء وجبة غذاء أو خدمةً صغيرة يتحكمون لسلطتهم بها. وأنت تصدقهم، تلحقهم كما لو كانوا خشبة خلاصك، تبرر أفعالهم، تدافع عنهم باستماتةٍ لا تمانع معها إشادة الدماء حفاظًا على هيبتهم ورهبتهم في عيون الرعية.
خلص، كفى. سإمنا من الكلام والوعود، ضاق صدرنا من رؤية نفس الوجوه وهي تخدعنا عامًا بعد آخر ونحن نطيل الحبل لها، لا نقدر على خنقها خوفًا من تغييرٍ يعصف بنا. متى يتغير اللبنانيون، متى تجمع تظاهرة ٌ عماليةٌ أكثر من مليون تحت جناحيها، لنقول للكاميرا “زووم إن” “زووم أوت”، نخرج من بيوتنا، تحت الحد الأدنى أو فوقه لا فرق، نخرج بغضبٍ حقيقي، على حثالةٍ يتحكمون بمصيرنا، يقزّمون أحلامنا، يقتلون الأمل فينا.
منذ أكثر من عشرين عام، وأنا أسمع نفس الكلام، أسئلةٌ تبحث في حقيقة وجود الدولة. أسئلةٌ عن الضمان والتعويضات، عن غلاء البنزين والمازوت، والخبز والبيوت، أرى بين الحين والآخر، جماعاتٌ ترمي محصولها بحجة الكساد، منذ عشرين عام والأسئلة ذاتها تتكرر، والتيار مقطوع، والظلام دامس، والفساد مستشري، منذ عشرين عام ونحن ما نزال نتظاهر، تتكرر ذات المطالب ويتكرر معها الطاقم السياسي الذي يتوجب عليه تنفيذ المطالب.
أنا منذ عشرين عامًا، أرى اللبنانيين يبرقون ويرعدون ولا يمطرون. يصرخون بصمت وكأنّ صوتهم لا يصل إلى أي آذان. قد حان الوقت لتنتهي فصول الكلام، حان الوقت لنزيل الغطاء عن خداعهم وزيفهم وحقارتهم، حان الوقت لنكفّ عن الاصطفاف خلفهم، إذا كنت لا تأكل الخبز لاتباعك الحمية اعلم أنّ هنالك من لا يجد ثمن الرغيف. إذا كنت تنزل بسيارتك الفارهة إلى جامعتك الخاصة التي تقع في وسط البلد اعلم أنّ هنالك من يركب الباص أو سيارة الأجرة، وبيتبهدل ألف بهدلة، كي يصل إلى جامعته الحكومية الواقعة في منطقةٍ سكنية في مبنى عتى عليه الزمن. وإذا كنت لا تتعالج إلا بالمستشفيات الخاصة أو تسافر خارج البلاد، اعلم أن هنالك من يُرمى على سريرٍ في مستشفى حكومي ينتظر تغطية ضمان أعور حتى تبدأ مسيرة علاجه.
أنا منذ عشرين عامًا أسمع بالتغيير لكنني لا أراه، أسمع بالأمل لكنني لا ألمسه، لا أشعر إلّا بأنّنا نسير إلى الخلف، عكس ما تقتضيه الطبيعة، لم تعد أحلامنا كبيرة، صارت تقتصر فقط على رؤية الكهرباء لمدةٍ تزيد عن الست ساعات متواصلة، عن إيجاد فرصة عملٍ بعد سنوات قرفٍ قضيتها في جامعةٍ يفترض أنها وطنية وتعايرك بأقساطها المخفضة. توقفت أحلامنا عن النمو، اختفى الزخم فيها، قتلوها أمام أعيننا، ونحن نعرف المجرمين، لكننا لا نحرك ساكنًا.
هل أشتري تذكرةً لأنزل وأشارك بالإضراب، أم أنّ الشعب سيثبت عكس ما كان، وينزل بحق وبكل ما يملك من ثقلٍ لينهي مرحلةً طالت من قبحها وقرفها، ويعلن وفاة الطبقة الحاكمة بكامل أفرادها.

Advertisements