عن أطفالٍ عرب لا يتكلمون العربية

Posted on ديسمبر 12, 2011

0


كبر ابني، وصار يحاول أن يتلفظ بأسماء الأشياء، يحاول أن يجمع حروفًا داخل فمه ليخرج منه مقطعًا صوتيًا يدلل على حاجة أو طلبٍ أو رغبةٍ ما. وجدت نفسي تلقائيًا أعلّمه المصطلحات بلغةٍ أجنبية، أحتار أي لغةٍ أختار، الفرنسية أم الإنكليزية. أحثّه على تلفظ المفردات الغربية وأنأى معه عن أي كلمةٍ عربية. أشتري له القصص بلغة أجنبية، كل ألعابه تتحدث الإنكليزية، عندما يعطيني شيئًا أقول له thank you بدلًا من شكرًا.
لست من المتحدثين بطلاقة بالإنكليزية، ولا أحمل الجنسية الأميركية، وطوال مسيرتي كنت أنحاز للعربية عن باقي اللغات الأخرى، كنت أفضّل التحدّث بالعربية، ولا أخجل من تطعيم كلامي بالفصحى. كنت أرى في العودة إلى العربية، بدايةً لاستيقاظ الأمة. ظلّت العربية الأقرب إلى قلبي في وقت نبذتها شرائح واسعةٌ من المجتمع، أصبح معها ترغلة لغةٍ أجنبية أمرًا ضروريًا من البريستيجات الاجتماعية التي ترفع من شأن المرء.
هي لغة المنتصر إذًا، لا شك. لن أكذب على نفسي وأمنيها بانتصاراتٍ زائفة. العربية في الحضيض، تظهر في أعين الجميع كلغةٍ لا تنفع إلّا لكثرة الكلام. لا يمكن أن تكون علمية مع أنّها وباعتراف التاريخ حملت إرثًا ضخمًا من العلوم. لكنها اليوم تعيش حالةً من الرفض والعزل مع الجيل الجديد.
لم يعد مستغربًا حديثك بلغةٍ أجنبيةٍ خالصة، لكنّه مثيرٌ للشبهة والريبة وقد توسم بالتخلف والرجعية إن تفوهت بكلامٍ عربي خالصٍ غير مطعّمٍ بأي من المصطلحات الأجنبية. لم يعد مقبولًا إقامة أي نشاطٍ لا تكون الإنكليزية هي اللغة الأولى فيه.
اللغة للمنتصر، لماذا علينا أن ننكر هذه الحقيقة، لماذا علينا أن نهرب منها، تكلمنا بلغةٍ أجنبية غدى أكثر راحةً وإلفة، يمنحنا شعورًا بالانتماء إلى العالم الأول القوي، يبعدنا عن كابوس العالم الثالث وتخلّفه. تكلمنا بلغةٍ أجنبية لم يعد يعيب أحد حتى لو كان بمناسبةٍ وطنية.
لغتنا تموت، انظروا إلى الجيل القادم، انظروا إلى الآباء والأمهات الذين يستميتون كي يتكلّم أولادهم أيّ لغةٍ أجنبية بطلاقة ولا يبذلون جهدًا واحدًا بسيطًا لكي يتعلم أطفالهم العربية. يتباهون حتّى بأنّ أطفالهم لا يفهمون ما يقولون، لا يفقهون لغة أهلهم لذلك هم مضطرون للتكلم معهم بلغتهم المفترض أن تكون الثانية لا الأولى.
إلى أين نذهب، أنا الأم التي يفترض أن تكون واعية لمأزق اللغة الذي نمر فيه، أنجرف مع تيار الحياة العصرية، لأزرع في عقل ابني لغةً ليست لغته وأعاملها كما لو كانت شيئًا مقدسًا لا يجوز له أن لا يتقنها.
جرّب أن تتكلم الإنكليزية في تركيا أو إيطاليا، وصدّقني لن يجيبك أحد، حتى ولو كنت سائحًا، لن تشفع لك الإنكليزية في الحديث مع التركي والإيطالي، عليك أن تكلمهم بلغتهم لا أكثر، أما نحن فنتخلى عن لغتنا لصالح إطراءٍ يمنيه علينا الأجنبي القادم، والذي لا يتعنى أن يشتري كتيبًا صغيرًا يعلمّه العربية من دون معلم.
نحن السبب، نحن من تخلّى رويدًا رويدًا عن جمالية لغته وفضّل عليها لغاتٍ لأقوامٍ يتهمهم باستلابه. اللغة للمنتصر، هذه خلاصة القول، ولن تنتصر أمّةٌ تفكّر بلغة غيرها، لن تنتصر أمةٌ عربية تحدّثك بالأجنبية.
ابني عربي، لماذا عليه أن يتكلّم بلغةٍ ليست عربية. لماذا عليه أن يحذف من ذاكرته لغته الأم ليضع محلها لغةً أخرى. ليس ذكاءً ما يحصل اليوم في مختلف البيوت العربية، ليس ذكاءً أن تطمس لغةٌ وتتخلى ببساطةٍ عن الهوية. ما يحصل مهزلة إن كنّا نفكر حقًا بربيعٍ جديد لعالمٍ عربي.
إن كنت أمًّا أو أبًا حاول أن تحدّث أطفالك ولو لساعةٍ من النهار بلغتهم الأم، علمهم مصطلحاتٍ عربية، علّمهم كيف يعبرون عن أنفسهم بالعربية، لا تقولوا أنّ المجتمع كفيلٌ بذلك. وحدك من تقع على عاتقه تلك المهمّة. فلنبني جيلًا عربيًا يتكلّم العربية.

Advertisements