أن تقرأ لوليتا في لبنان

Posted on ديسمبر 11, 2011

0


ممنوع، وكفى. لا يمكنك أن تناقش، يُمنع عليك حتى أن تبدي رأيك بالموضوع. يحاول البعض تعميم ثقافةٍ من الممنوع، تضع كلّ ما لا يناسب أفكاره ومصالحه خلف قضبانه. لا يستطيع أيّ كان منعه، فهو صاحب السلطة، والمخوّل إليه تحديد ما يمكننا أن نقرأه أو نشاهده. وحده من يستطيع الاطلاع على الأمور كاملةً دون رقابة، وحده لا يلاحقه مقصّ الفصول والمشاهد الذي يحوّل زبدة الموضوع إلى مهزلة.
كلّ ممنوعٍ مرغوب، يكبر في معناه بمنعه، يصبح مثقلًا بدوافع تحضّ على خرق ستائر سميكةٍ أرختها عليه عيون الدولة الساهرة على عقول مواطنيها. ترفض الدولة أن تلوّث أفكارهم بإبداعٍ مجهول، تمنع شغفهم من أن يصل إلى طرقٍ لا تريدهم أن يعبروها. تحاجج بالسلم الأهلي وبتأثير ذلك على روابط العلاقة بين الطوائف، وبضرورة احترام معتقدات جميع الأفراد دون استثناء الصغيرة منها والكبيرة.
الدولة تقرر ما علينا أن نمتصه في هذا العالم، تحدد الخيارات المتاحة أمامنا حفاظًا على تماسكها، تخاف من أي شيءٍ يحمل بين ثناياه غمزاتٍ لجماعةٍ دون أخرى. تمنع، تحذف ما تراه غير مناسب، تمحي تمامًا ما يعتقده أولو الأمر عليها إساءةً وإهانة. قد لا يكون بمجمله خطر لكن عبارةً واحدة، فكرة واحدة تكون كفيلةً بإقصائه بعيدًا عن أعين العامة.
العامة لا يملكون مقدارًا مطلوبًا من الوعي يخولهم معرفة عواقب الأمور، الشعب لا يدري كيف أنّ كلمةً ما في رواية من المفترض أن تكون شخصياتها محض خيالٍ أنجبته أفكار الكاتب، وأيّ تشابهٍ في الأسماء والأحداث بينها وبين الواقع غير مقصود، كيف لها أن تشعل نارًا لحربٍ أهلية.
لماذا على كل آخر أن يتحسس من واقعه إذا صُوّر في مشهديةٍ لا واقعية. لماذا نرفض اختلافنا مع الآخر ونقتل أي وجهة نظرٍ تصدر عنه، لماذا علينا أن نشاهد ونقرأ فقط ما يتناسب مع رؤانا، وتطلعاتنا ومستقبلنا وماضينا.
عندما قرأت ” أن تقرأ لوليتا في طهران” أدركت أنّ حلم البعض قد يكون كابوس الآخر، وتأكدت بأنّ من أؤمن بهم أبطالًا ومنقذين هم مخربين رجعيين في نظر الآخر. كثيرون هم من لا يشاطرونك بأفكارهم، كثيرون لا يقيمون وزنًا لما تؤمن به. وما تعتبره أنت أمرًا مقدسًا قد يكون قابلًا للجدل في رأي البعض.
مختلف الكتب والأفلام التي يتم منعها، تحمل فكرةً مخالفةً عن تلك السائدة، قد تعرّي شيئًا مخبئًا في داخلنا، شيئًا نرفض أن نعترف به، لكنه موجودٌ وحقيقي. لا تبشّر تلك الأشياء بالحياة على كوكبٍ آخر، كلّ ما في الأمر أنّها تحشرنا في زاوية العالم، تكشف الغطاء عن أمورٍ رغبنا دومًا في دفنها أو ذرّها في الهواء.
من الأشياء التي عاصرتها ومرّت تحت مقصّ المنع، “برسبوليس” الفيلم الإيراني الذي ما إن تلوح بوادر عرضه في بلدٍ عربي حتى تقوم المظاهرات، ويستنفر كل من يعتبر أن الفيلم يمسّ شرفه و شرف إيمانه. هذا الفيلم أحدث ضجة منذ صدوره، ولم يخبُ كما يحدث عادةً مع الأفلام التي لا يعيرها أحدٌ انتباهه. قصة الفيلم تتحدث عن فتاة إيرانية في زمن ما بعد الثورة الإسلامية، وعن اضطرارها للسفر نتيجةً للتغيرات التي طرأت على بلادها من قوانين وعاداتٍ تراها غريبة. يتناول الفيلم الأحداث بقالبٍ كرتوني طفولي، لا يمكن وصفه إلّا بالبراءة، عن طفلةٍ عاينت حدثًا ما وأعطت رأيها به. لا أكثر. طفلةٌ لم تعايش ظلم الشاه، ولا عرفت ألم الفقراء، تناولت حياتها كما عاشتها ولم تعش في جلباب آخر.
“رقصة الفالس مع بشير” فيلم آخر منع عرضه في لبنان بحجة تعريض السلم الأهلي للخطر، والفيلم من إخراج يهودي يتحدث فيه عن ذكرياته إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومجزرة صبرا وشاتيلا ودور بعض الأطراف المسيحية آنذاك في التعاملٍ مع العدو وقتلٍهم للأبرياء انتقامًٍا لزعيمهم.
“شيفرة دافنتشي” ” قصة عن الحب والظلام” “help” ” بيروت بليل”، عينة من الكتب والأفلام التي منعت لأنها تتناول في كلامها حقائق أو أمور مقدسة أو أشياء مخجلة أو محرماتٍ مجتمعية.
أشياءٌ لو قرأتها أو شاهدتها لن تنقص من إيمانك أو تغيّر من عقيدتك، لكنّها ستزيدك وعيًا، تفتح في عقلك أبواب جديدة، ستوضح الرؤيا أمامك، سوف تعرف أنّ على هذه الأرض أناسٌ لا يعتنقون رأيك، قد يخالفونك بطريقة تفكيرك، لا يرون الأمور من منظارك.
في لبنان تمنع العديد من الأفلام والكتب بحجّة الحفاظ على السلم الأهلي واحترام المقدسات لدى كافة الأطياف. لكن متى يغدو المقدس فكر الشعب، متى تتحول حرية الفكر والفكرة إلى حقيقةٍ وآية منصوصة.
لا إكراه بشيء، كلنا يعرف الفرق بين الخطأ والصواب، لو تركونا فقط نفكر ونقرأ بحرية.

Advertisements